كما هو معلوم (ربما ليس من المعلوم لكثيرين من أبناء الأمة، وخصوصًا شبابها)، أن الكونجرس الأمريكي صادق منذ عام 1995 على قانون JERUSALEM EMBASSY ACT، الذي ينص على أن الولايات المتحدة تعترف بالقدس عاصمة إسرائيل، ويدعو إلى نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس. ومن المعلوم أيضًا، والمهمش من ذاكرتنا اليومية، أن المدينة المقدسة تعاني من محاولات ممنهجة متواصلة، من أجل تفريغها من أهلها واستبدال مستوطنين صهاينة بهم. كما أنه من المعلوم، كذلك، أنها – منذ سنوات طوال – العاصمة السياسية والإدارية الفعلية لمؤسسات الكيان الصهيوني (إسرائيل)، وإليها نقلت مقار الكنيست (البرلمان)، والحكومة (الإسرائيلية)، والمحكمة العليا (الإسرائيلية)، وإليها يذهب الرؤساء ووزراء الخارجية الأمريكيون دائمًا ليثبتوا الأمر الواقع لحين تقنينه نهائيًا عندما تتهيأ كل الظروف.

كل هذا، وغيره الكثير، مما تعانيه فلسطين نعلمه، فلماذا تغيّرت الأمور بشكلٍ يستتبع تعديل سياسة الأمريكان من سياسة الأمر الواقع إلى سياسة الاعتراف الصحيح؟ ولماذا هذه الضجة الكبيرة في عالمنا العربي والإسلامي حول القرار؟ وإلى أين ستنتهي؟

على الصعيد الأمريكي-الصهيوني، نعم، ثمة أمور تغيرت، فقد توقفت أي محادثات جدية للسلام منذ عامي 2013-2014. وقد أخذت منظمة«اليونسكو» والجمعية العامة للأمم المتحدة، تعتمد قرارات تشكل تحديًا فعليًا للجوهر الأساسي للعقيدة اليهودية. فقرار الجمعية العامة الصادر في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) يدعو كل الحكومات إلى احترام «الوضع التاريخي القائم في الأماكن المقدسة، بمدينة القدس، بما في ذلك الحرم القدسي الشريف، على صعيد القول والفعل»، وهناك محاولات للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية قد تؤدي لوحدة الصف والقرار الفلسطيني يكون لها شأنها في مسار التفاوض. ومن هنا كان ولابد أن يتحرك الطرف الأمريكي ويعترف ببساطة بأن القدس ستظل دائمًا عاصمة إسرائيل، حتى وإن كانت محادثات السلام هي السبيل الوحيد لمعالجة المطالب بشأن حدود المدينة المقدسة اعترافًا بالواقع الفعلي، ولكن مع الامتناع عن اتخاذ أي موقف بشأن الوضع النهائي، انتظارًا لما تسفر عنه المفاوضات السرية التي تسربت أنباؤها بين بعض الحكام العرب والإسرائيليين برعاية أمريكا لفرض حل نهائي أطلق عليه «صفقة القرن».

لكن ماذا عن الجانب العربي والإسلامي، ما الذي يدعونا اليوم للانتفاض والتظاهر والغضب والشجب وإصدار البيانات وإعلانات المواقف من الحكومات والجماعات وهيئات العلماء والأفراد؟ بداية، حتى يمكننا أن نتعامل مع الأمور بجدية، لنصل إلى استراتيجية حقيقية لتحرير فلسطين يومًا ما، من المهم أن نجيب على الأسئلة التالية:

1- كيف يتعامل حكام دولنا العربية والإسلامية مع ذلك الحدث وما هي ضروراتهم وما هي خياراتهم؟

2- كيف وقع الحدث بالنسبة للشخصيات السياسية والدينية وأعضاء النخبة العالمة وكيف أدركته وحللته وتعاملت معه؟

3- كيف كانت مواقف الشعوب من الحدث؟

4- وأخيرًا، هل تغيرنا فعلًا بعد هذا الحدث، أم أنه مجرد انفعال لحظي يزول مفعوله في غمرة انشغالنا بحياتنا اليومية ومتطلباتها كعادتنا؟

لنبدأ بسؤال الحكومات، فقد لاحظنا جميعًا حدود تحركات حكوماتنا، في ظل ما تعانيه مجتمعاتنا من انقسامات وتحزبات واستبداد وتدخلات أجنبية فجة في توجيه وصناعة القرار العربي، فجميع الحكومات العربية والإسلامية، تقريبًا، قد احتجت ضد قرار الإدارة الأمريكية، وانعقدت قمم رئاسية ووزارية وعلى مستوى البرلمانات، لم تتمخض سوى عن القليل على أرض الواقع.

وبالنسبة لسؤال النخب الدينية والعلماء المسلمين، فإننا نجد الكثير من الهيئات العلمية الإسلامية المعتبرة في الوطن العربي والعالم الإسلامي، قد أصدرت بيانات رافضة القرار، واعتبرته «جريمة عظمى في حق الأمة الإسلامية كلها»، وطالبوا الشعوب الإسلامية في حال تخلي الحكام المسلمين عن مسئولياتهم، بالخروج في مظاهرات منددة بهذا القرار. ثم وجهوا رسالتهم إلى المرابطين في فلسطين، بالثبات على الحق، وأنهم أمل الأمة كلها في صد الهجمة الصهيونية العالمية. وهو ما يحتاج إلى استثمار يفيد قضية  القدس كما سنبين.

وبالنسبة لسؤال الأفراد والنخب السياسية، من العرب والمسلمين، فقد كانت صيحات الغضب تملأ الفضاء السيبراني، عبر فيسبوك وتويتر، ومن استطاع أن يجد له موطئًا لقدمه على أرضه وغضت السلطات عنه خرج معلنًا في الشوارع غضبه على أمريكا وربيبتها إسرائيل.

حتى لا تكون ضجة كبيرة على لا شيء

ولنأت أخيرًا إلى سؤال: هل تغيرنا فعلًا بعد هذا الحدث، أم أنه مجرد انفعال لحظي يزول مفعوله في غمرة انشغالنا بحياتنا اليومية ومتطلباتها كعادتنا؟

الواقع المرير يقول إن كل ردود الأفعال على الحدث، لم تجاوز نفس الردود القديمة، فلم يبين أحد: حكامًا أو علماء أو سياسيين، للأمة خطة استراتيجية، ولا طريقًا عمليًا وبرنامجًا يوميًا، حتى لا تتوه القضية في زحمة قضايانا اليومية المتجددة، في زحمة الضياع الذي تعاني منه الشعوب. ولم يجب أحد منهم على سؤال: أين نحن اليوم: في مرحلة إدارة الصراع، أم مرحلة حل الصراع، أم إنهاء الصراع؟ لم يشرح أحد للأجيال الجديدة حقيقة الأمور وطبيعة الصراع وأدواته واستراتيجيات المواجهة وآلياتها؟

صحيح أن القدس عربية إسلامية، ولكن إلى متى؟ لابد أن تتحول تلك المقولة إلى منهج حياة ورؤية جيل، ينتقل للأجيال الجديدة بكافة سبل وآليات التوريث المعرفي الحضاري، الذي يبعث الأمل في نفوس أجيالنا الحاضرة والقادمة، من خلال:

  1. استحداث وقفية اقتصادية باسم فلسطين، تكون مهمتها الأولى والدائمة العون والتنمية لإخواننا في فلسطين  والمساهمة في تحسين حياتهم بكل السبل، وإعاناتهم على تكاليف الجهاد الشاقة، واستغلال حالة الزخم الحالية والبيانات الصادرة من العلماء في كافة الدول العربية لتأييد فلسطين لاستصدار فتاوى منهم ومن مؤسساتهم وعلى رأسها الأزهر الشريف لتأييد تلك الخطوات.
  2. استحداث وقفية علمية تعليمية باسم فلسطين والقدس تكون مهمتها الأولى والدائمة إصدار الأعمال الفنية والبرامج الإعلامية والأدبية والعلمية والتعليمية والبحثية التي تنشر حقيقة الأوضاع في فلسطين وتعريف الشعوب العربية بها وإبقاء القضية في القلوب والعقول وتتابع تطوراتها وتضع الخطط لذلك وتتابع جهودنا في جعل القضية حية بين أجيالنا الحالية والقادمة حتى تتحرر فلسطين.
  3. إنتاج دراسات علمية عن الكيان الصهيوني تبين حقيقته، وطبيعة الصلة التي تربط الكاوبوي الأمريكي والغربي عمومًا بالمستوطن الصهيوني، والاستفادة من الرواد في هذا المجال، وعلى رأسهم الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري.
  4. تفعيل الدبلوماسية الشعبية مع الدول الرافضة للاحتلال الصهيوني، حتى تظل على مواقفها المؤيدة لحقوقنا بكافة السبل الممكنة.
  5. تفعيل عملية المقاطعة الاقتصادية لكل الدول والشركات الداعمة للكيان الصهيوني، بأساليب جديدة ومبتكرة وفعالة، مثل استبدال منتجات دول تدعم حقوقنا في فلسطين بتلك المنتجات.
  6. البعد بكل الفعاليات والمؤسسات والجهود الخاصة بإنقاذ فلسطين والقدس، عن كل نزاع سياسي داخلي بين الحكومات والمعارضات.

خاتمة

يعلمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط من جراء هزائم تقاسيها – مهما كانت سوداء مريرة -، فكم كابدنا خسائر فادحة وقمنا وهزمنا أعداؤنا وطردناهم عن مقدساتنا. لكن تسقط الأمم عندما تسقط في براثن اليأس وأوهام قوة المعتدي الذي لا يقاوم. تسقط الأمم عندما يتساءل أبناؤها وخصوصًا الشباب، عن جدوى القيم التي يحملونها وقيمة الأمة التي ينتمون إليها ودورها في التاريخ.

لكن تسقط الأمم عندما لا تقص تاريخها الساطع على أبنائها وتبذره في قلوب أبنائها وعقولهم، ليتجذر في وجدانهم منتجًا عزة وكرامة وإصرارًا على الحياة، مستردين كل ما ضاع منا. تسقط الأمم عندما تتسع مساحة القول وتنكمش مساحة الفعل. تسقط الأمم عندما تتعامل مع قضاياها بمنطق الصوت الزاعق بدلًا من منهج العقل الناقد.

لا سبيل لتحرير فلسطين واستنقاذ القدس والمسجد الأقصى من أيدي الصهاينة ومن يعينهم من الغربيين، إلا من خلال إعادة إبداع وبناء الذاكرة الحضارية العربية الإسلامية، بكل السبل التعليمية والإعلامية والعلمية والعملية، حتى يخرج لنا جيل قادر على استيعاب ما يحدث لنا ومقاومته، واستخلاص حقوقنا من بين أيدي أعدائنا، مهما كلفه ذلك من تضحيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد