يوم فرض الله تعالى التيه في بقاع الأرض على بني إسرائيل، عقابًا منه جل جلاله على جبنهم وكسلهم، حينما أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدّسة فرفضوا بتعلّة أن فيها قومًا جبّارين. يومها حرّمها الله على قوم بني إسرائيل 40 سنة، وبسبب جبنهم لم يستطع نبي الله موسى – عليه السلام- أن يدخل الأرض المقدّسة.

إن كان بنو إسرائيل قد حرمت عليهم 40 سنة، فإنها قد حرّمت علينا 70 سنة وما زالت محرّمة علينا إلى يومنا هذا. أما التيه في الأرض فإنه قد يكون نعمة من الله على بني إسرائيل -من وجهة نظر أخرى- إذ إنهم انتشروا في الأرض ومعهم نشرت عقائدهم وأفكارهم وسلوكياتهم، وهو ما يؤدي إلى نشر الثقافة الفاسدة لبني إسرائيل في كامل الأرض، الأمر الذي يعدّ مبتغى وهدف كل جماعة تحمل أيديولوجيا معيّنة، إلا أن تيهنا في الأرض لم يجعل منا إلا أمة مستهلكة لثقافة غربية دخيلة على ثقافتنا العربية الإسلامية المتأصلة منذ القدم.

إن القدس بما هي القبلة الأولى وثالث الحرمين، تمثل معيار حال الأمة الإسلامية. إذ إنها تعبّر عن حالة الضعف والهوان التي تعاني منها أمة الإسلام حين تكون بأيدي الصهاينة وفرسان الهيكل، أو أنها تلخّص حالة القوة والهيمنة التي تؤدي إلى تطبيق العدل داخل النظام العالمي، العدل الذي يصحبه القوة فتكون بذلك قوة عادلة. تلك هي القوة التي جعلت من الفاروق عمر -رضي الله عنه- ومن معه يوصفون في القرآن بأنهم «عبادًا لنا أولي بأس شديد» .

تلك هي الكرّة الأولى التي مكّنت المسلمين من مفاتيح بيت المقدس وهو الوعد الأول للمسلمين، أما الوعد الأخير وهي الكرّة الثانية فهي لتمكين المسلمين من استرجاع الأمانة المقدّسة ممن جبنوا أول الأمر ولم يسعوا إلى الدخول إلى تلك الأرض. والعلة أن جموع المسلمين اليوم حينما يتحدّثون عن نصر الله واسترجاع القدس فإنهم يقرون بأنه وعد الله، إلا أنهم لا يسعون في الأرض من أجل تحقيق وعد الله لهم كما وعد الله بني إسرائيل من قبل بالنصر والتمكين بمجرد الدخول. لذلك فإن حالنا اليوم هو حال بني إسرائيل زمن موسى -عليه السلام-.

ربما تكون الكرّة الثانية قريبًا، إلا أن الوضع لن يتغيّر إن استمرت حالة الخمول والكسل الذي تعيشه الأمة في هذا العصر. وللإشارة فإن مدة 40 سنة تمثل المدة الطبيعية لبناء جيل قادر على حمل راعية التغيير والدفاع عن قضية الأمة ودعوتها. وقد حرّمت الأرض المقدسة كما أسلفنا الذكر 40 سنة، في المقابل حرمت علينا القدس لأكثر من 70 سنة. ولن نحلم يومًا أننا سنتمكن من استرداد أمانتنا ونحن بالعقلية نفسها وبالتخاذل نفسه والكسل، فهذا يتناقض ومفهوم الأخذ بالأسباب.

بعد 70 سنة من احتلال الأراضي المقدّسة، وبعد أن جرّبنا جميع أنواع الحلول لاسترداد حق العرب في ثالث الحرمين، قد يكون من الضروري علينا الآن الإقرار بصفة قطعية أن الحوار مع الكيان الغاصب هو ضرب من الخيال. فالذي يفتك الأراضي بالدم لا يستطيع أن تسترجعه منه بالحوار واتفاقيات السلام، بل إن القانون السائد هو أنه ما افتكّ بالدم لا بدّ أن يسترجع بالدم؛ فحوارات السلام مع العدو تمثّل عبثًا وضربًا من الوهم والخيال. ما يؤدي ذلك إلى حسن التدبير والأخذ بوسائل القوة ورباط الخيل التي من خلالها نحقق النصر.

قد يكون من العسير أن نتقبل الواقع أمرًا وقع بالفعل سعيًا منه إلى أمر أعظم وأخطر وهو اغتصاب الأرض من الغاصب الصهيوني، إلا أن العرب اليوم يستأهلون ما حدث لهم من هزيمة ونكبة ستكون لهم عارًا وخزيًا إلى نهاية التاريخ؛ فقد أخذ الرئيس الأمريكي الموافقة من أربعة رؤساء عرب منهم مصر، التي كانت تناصر القضية الفلسطينية منذ البداية، ولا ننسى حرب أكتوبر سنة 1973 وما تكبّده الكيان الصهيوني من خسائر مادية ومعنوية، إلا أن خيانة قادة العرب عامة أوصلت العرب إلى حالة من الجبن حتى يوافقوا على جعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني.

إلا أنه لا بد من الإشارة – مع كل هذا الأسى والألم على مصاب الأمة الإسلامية- إلى أن في هذا الأمر خيرًا كثيرًا؛ ومن ذلك فالشعوب العربية أضحت واعية بقضيتها المركزية بفضل هذه الصدمة التي تلقتها من الرئيس الأمريكي بإعلانه القدس عاصمة للكيان الصهيوني. بمجرّد الإعلان على هذا القرار الأخرق توجّهت بوصلة الشعوب العربية جميعًا إلى التركيز على القضية الفلسطينية من جديد؛ فخرجت مظاهرات عارمة منددة بهذا الإعلان، وهذا يحسب على قرار ترامب لا له. وكذلك نجد أن الاعلان صدر من رجل لا مصداقية لكل مواقفه عند كل حكام الغرب، وضمنها الموقف من فلسطين والقدس.

والكلّ يعلم أن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل قد صادق عليه الكونغرس الأمريكي منذ سنة 1995؛ أي إن هذا القرار لم يطبّق من الرؤساء السابقين الذين لهم مصداقية لدى شعبهم، وإنما طبّق من شخص تشوبه عدة قضايا من بينها أنه تلقى دعمًا من الروس للوصول إلى السلطة، وهذه استراتيجية الإلهاء التي عبر عنها نعوم تشومسكي فقال: «استراتيجية الإلهاء هي عنصر أساسي في التحكم بالمجتمعات، تتمثل في تحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل المهمة والتغييرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية، يتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة»، وهي الاستراتيجية التي اتخذها ترامب لإلهاء الشعب الأمريكي عن مصداقيته.

وكلما كان عدوك بهذه الصفات السلبية كان ذلك أفضل ظرف للعمل على بيان قضيتك والسعي فيها وفرضها سلمًا وحربًا، وشباب الثورة هم الذين ينبغي لهم الواجب في مباشرة العمل باستراتيجية ثورية فعلية لا تكتفي بالمطالب الاجتماعية والحقوقية، بل تمر لشروط تحقيقها، ولذلك ينبغي أن نشكر ترامب على ما فعله لأن فيه خيرًا كثيرًا، وأهمه توحيد الشعوب العربية تحت سقف واحد وقضية واحدة، وهذا ما لم ننجح فيه طوال قرن من الزمن».(1)

ختامًا، مؤسف أن نجد الأمة الإسلامية لا تملك دراية بأهمية العدو وخطورته. ولو تدبّرنا في تاريخ اليهود وكيفية قيام دولتهم المزعومة لوجدنا أنها تفاعل لعقيدة تكونت ونُشرت واشتغل عليها مئات السنين من بعد يهودا وأفرايم، ثم أطروها بالنظريات الفلسفية السياسية والنظريات الدينية المرتكزة على علماء الحاخامات دونت كل هذا في التلمود وأحدثت استراتيجيات محددة.

معلوم أن الدولة التي تبنى بالعلم لا تسقط إلا بالعلم الذي يأتي بأسباب القوة المحققة لترهيب العدو. وما علينا سوى أن ندرك أن إرادة التغيير بأيدينا، وأنه لا بد من بذل الجهد حتى نستحق شرف تحقق الكرة الثانية والوعد الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) مقال القدسبين الأمر الواقع والأمر الواجب لأبي يعرب المرزوقي
عرض التعليقات
تحميل المزيد