حينما يتعلّق الأمر بالكرامة الإنسانية، لا يمكننا تقديم تنازلات

قائلة العبارة السابقة، سيدة من حديد هي الأقوى بين نساء العالم، القائد الفعلي للاتحاد الأوروبي، ملكة أوروبا غير المتوجة، ومؤسس الولايات المتحدة الأوروبية، كلها ألقاب حصرية للمستشارة الألمانية ميركل، أكثر نساء العالم نفوذًا طوال الأعوام الستة الماضية طبقًا لقائمة مجلة «فوربس» الأمريكية.

«أنجيلا ميركل» هي أول امرأة تتولى منصب مستشارة ألمانية، وأول مستشار للجمهورية الاتحادية بخلفية في العلوم الطبيعية، رئيسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والتي أعلنت أنها ستسعى لإعادة انتخابها لولاية رابعة بعد الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في الرابع والعشرين من سبتمبر  (أيلول) 2017.

كيف صعدت؟

من نادلة في حانة إلى باحثة فيزيائية وعضوة في البوندستاغ (مجلس النواب الاتحادي الألماني)، ثم وزيرة الشباب والمرأة، وصولًا إلى وزيرة البيئة وأخيرًا إلى رئاسة الوزراء.

هي ابنة لقسيس بروتستانتي؛ وهذا المذهب المنسوب لمارتن لوتر أحد أهم أهدافه في الحياة هو الخلاص عن طريق التقشف والادخار. وفي سنة 1954، بعد ولادة أنجيلا ميركل بأسابيع، وبعد أن بدأ الألمان الشرقيون في النزوح لألمانيا الغربية، قرر هو أن يأخذ أسرته وينزح عكس الجميع، من هامبورج في ألمانيا الغربية، إلى ألمانيا الشرقية (لحماية المسيحية ومقاومة الشيوعية الملحدة). لذا لطالما نُصحت بإخفاء عمل والدها تجنبًا للمشكلات، فرددوا على مسامعها «أبلغي الناس أنك ابنة سائق».

كانت تنزع دومًا إلى التسلط على أخيها الأصغر، وفي هذا الشأن كتبت «باتريشيا ليسنير كراوس» في كتاب صدر مؤخرًا لها يتحدث عن السيرة الذاتية لأول مستشارة ألمانية تقول: «حولت أخيها إلى ساعٍ.. كانت تُصدر الأوامر، وكان يأتي لها بكل ما تطلبه».

وفي ألمانيا الشرقية نشأت أنجيلا ميركل وتعلمت الروسية باعتبارها لغة أجنبية أولى وتفوقت في دراستها حتى حصلت على الدكتوراه في العلوم الفيزيائية، لكن بطبيعة الحال لم تكن الفيزياء رغبتها الأولى؛ إذ أنها في فترة المراهقة استبدت بها رغبة جامحة في أن تصبح معلمة، لكن هذا الحلم تبدّد بعدما أدرجت الحكومة الشيوعية أسرتها مشتبها بها. ولأنها متدينة كانت تحرص على الزواج فتزوجت مرتين، الأولى سنة 1981، والثانية سنة 1998 من أستاذ جامعي (في الكيمياء) وتعيش معه حياة هادئة دون أولاد، كما أنها تحتفظ بكثير من التفاصيل الغامضة حول حياتها الخاصة حتى بعد صعودها السياسي المفاجئ.

وقبل انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية في أواخر الثمانينيات، نمى حسها السياسي، وشرعت تدعو لحرية سياسية أكثر لمواطني ألمانيا الشرقية، وهذا ما دفعها إلى الانضمام لحزب «نهضة الديمقراطية» في عام 1989.

بعد الوحدة الألمانية انضمت لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، ولأول مرة منذ إعادة التوحيد الألمانية، عام 1990، ترشحت ميركل للانتخابات الاتحادية، وانتُخبت إلى البوندستاغ، ثم عُيّنت تقريبًا على الفور في مجلس الوزراء، بمنصب الوزيرة الاتحادية للنساء والشباب، تحت قيادة المستشار هيلموت كول. في عام 1994، رُقيت إلى منصب الوزيرة الاتحادية لشؤون البيئة والسلامة النووية، ما أعطاها الفرصة لتوسيع رؤيتها السياسية ومنصة لبناء حياتها السياسية باعتبارها واحدة من أصغر الوزراء في مجلس الوزراء.

صعدت ميركل لتصبح الأمين العام لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» في عام 2000، في سابقة تاريخية بوصفها أول امرأة وأول بروتستانتينية تتولى مثل هذا المنصب في حزب له جذور مسيحية كاثوليكية متشددة، وبعد توليها قيادة الحزب، وقفت ميركل وقفة حازمة في الوقت الملائم؛ إذ حصل الحزب بزعامة ميركل على أعلى نسبة في الانتخابات النيابية التي جرت في عام 2005 بفارق بسيط للغاية أمام الحزب المنافس «الديمقراطي الاجتماعي» بزعامة غيرهارد شرودر.

تمكن الحزبان من الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلاف تقودها ميركل، لتصبح يوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 أول مستشارة لألمانيا وأول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية من شرق ألمانيا.

موقفها من اللاجئين

إننا لا نعاني من وفرة في الإسلام، بل نعاني من قلة في المسيحية

تتعرض ميركل لانتقادات قاسية نتيجةً لسماحها لأكثر من أربعة مليون لاجئ بدخول ألمانيا على مدى الأعوام الماضية. في مقابلة أجراها معها صحافي سوري جاء إلى ألمانيا عام 2015، قالت: «نحن نتوقع من الأشخاص الذين يأتون إلينا الالتزام بقوانيننا». وأضافت المستشارة الألمانية أن من الضروري أن يحترم الوافدون الجدد وأن يتفهموا القيم الليبرالية لألمانيا الحديثة، مثل التسامح والانفتاح والحرية الدينية وحرية الرأي.

وفي المقابل دعت ميركل، التي تنتمي ليمين الوسط، الألمان إلى أن يكونوا منفتحين. وقالت: «نعرف أمورًا محدودة للغاية عن سوريا، نعرف أمورًا محدودة جدًا عن العراق أو الدول الأفريقية، علينا أن نعتبر ذلك فرصة كي نعرف أكثر». 

يقول الباحث في التاريخ الإسلامي د/ عبد السلام حيدر: «أنا أؤيدها لاستقامتها الأخلاقية رغم أنها سياسية! خاصةً وأنها لم تكن مزدوجة المعايير مثل غيرها في إنقاذ اللاجئين السوريين. و(غيرها) هذه تشمل عربًا ومسلمين وأوربيين وكثير من الألمان، ويوجد على النت الكثير من الفوتوشوب المعادية لما فعلته ومنها الصورة مفادها (ميركل + المسلمين = الحرب العالمية الثالثة)».

وأضاف: «أنا أفهم لماذا تتصرف على هذا النحو المستقيم لأنني عشت مرحلة صعودها وأنا في ألمانيا، ومنذ ظهرت على المسرح السياسي بموقفها من أستاذها «هيلموت كول» وابتعادها عنه عندما تأكدت الشكوك في ذمته المالية، والجميع أعجب باستقامتها تلك، وكذلك بتقشفها البروتستانتي اللوثري الذي يشبه ذلك الذي وصفه ماكس فيبر يومًا، وظني أنهم انتخبوها بسبب هاتين الصفتين».

ترشحها لولاية رابعة

تأتي الانتخابات البرلمانية الألمانية المقررة في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) الجاري في سياق مختلف تمامًا عن سابقاتها؛ فهي أول انتخابات برلمانية بعد موجة اللاجئين التي شهدتها ألمانيا قبل سنتين، وما رافق ذلك من ردود فعل مختلفة في المجتمع الألماني، من بينها ظهور حركات مناهضة للاجئين والمسلمين مثل حركة بيغيدا (القوميون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب).

برأيكم، كيف ستؤثر هذه الانتخابات على التوجه الألماني تجاه اللاجئين أو المسلمين بشكل عام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد