كانت «تنسقية العهدة الخامسة المقمعة»(1) قنبلة سياسية، وعجلت سريعًا ضمن منعطفات الحياة السياسية الجزائرية والحزب الحاكم، فبأخف الأضرار سويت المبادرة، على أبواب رئاسيات 2019 تلوح حامية الوطيس التنافسي على أشراط عزوف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة أخرى.

ولأنه ما يزال يبدي صمته، وفريقه الرئاسي، في عدم الإشهار برغبته الترشحية لعهدة ثانية بمقتضى الدستور الجديد، وهي «العهدة» التي تروج لها كتلة المعارضة من خصوم الرئيس، على أنها «العهدة الخامسة» على مقاسات ومقتضى الدستور القديم.

يحدث هذا في الخضم الصراعي، ضمن منعطفات تجلت في بروز كثير من الفرضيات السياسية الممكنة، لمن قد يتقدمون حلبة المنافسة لاعتلاء كرسي قصر المرادية بعد الرئاسيات القريبة، القريبة جدًّا.

فرضيات محتملة وممكنة، وكأنها تنجيم سياسي رئاسي، لا يخلو أبدًا من صدقية وحدس شعبي لا يخيب؟ تنجيم أقول، وقد أخذ يتداول بين شفاه الجزائريين بمختلف مشاربهم ومستوياتهم الثقافية، وكأنه حقيقة.
على كل حال، سيصير الجهد التنجيمي سهلًا في سحب الأسماء المحتملة وفق منطق الحكم إلى ساحات المواجهة التنافسية، وهي أسماء يجب أن تحوز على التوازنات السياسية الضرورية، توازنات صلبة وصادقة، توازنات بين الثلاثة أجهزة على الأقل في هرم الدولة، وهي مصالح المخابرات، أيًّا كانت تسميتها الراهنة؛ فبعد فك مديرية الاستعلامات والأمن، وإقالة الجنرال توفيق، تغيرت مقتضيات كثيرة في هذه المصالح، ثم قيادة الأركان، والرئاسة الجزائرية واختياراتها المستقبلة.

وإن هذه المراكز، هي التي لطالما ساهمت في بروز الرئيس المحتمل للجزائر ومنذ الاستقلال؛ ولأن أي اختلال بين رؤى هذه القوى الثلاثة سوف يدخل الريبة والاهتزاز وأشياء أخرى. وعلى ضوء هذه المقاسات تتضح الأسماء التي قد تلعب دورًا رئاسيًا، في حالة أبدى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عدم نيته الترشح بالرئاسيات المنتظرة.

الصديقان الخصمان

يكادان يعلنان ترشحهما قبل أوانه، ترشحهما بملء أحاديث الشوارع في الجزائر. ولأن الرجلين الأكثر نفوذًا في فلسفة السلطة، وفي دواليبها المعلنة والمتخفية، والأكثر معرفة بسر الحكم الجزائري وتوازناته السياسية والاقتصادية والتاريخية، هما دون أي شك الأكثر قدرة ضمن منطق الحكم، علاوة على أنهما ومنذ زمن بعيد، كانا على الأهبة يستعدان، وينتظران، ويتأهبان الظرف التاريخي، الظرف المناسب ليفتحا أمامهما أبوابًا رئاسية ستشرع لهما على المصرعين.

أولهما «أحمد أويحي»، وقد خاض مسارًا سياسيًّا وحكوميًّا منذ الانقلاب على الجبهات الثلاثة وما زال، ويعد نسخة ملائمة جدًّا للاستمرار ضمن الموازنات السياسية، رجل دولة دون ريب، بمقاسات منظور تسييري للاتجاهات والقرارات وصميم الدولة، علاوة على أنه يستحوذ على ثقة عالية ضمن المؤسسة العسكرية وقطاعات رجال المال والأعمال.

ثانيهما «شكيب خليل» العقل الاقتصادي والخبير الدولي الذي لا يشق له غبار، من بعيد كان ينتظر، إطار من أقدر الكوادر الجزائرية العلمية والاقتصادية والثقافية منذ الاستقلال. وقد أظهر كفاءة عالمية، وصبرًا شديدًا عما أصابه من تلفيقات سوء تسيير وفساد. تلفيقات لم تكن سوى تشويش استخباراتي من أزمنة «مديرية الاستعلامات والأمن» المنحلة ومديرها الجنرال المقال؛ فقد اتضح أنه ظلم ظلمًا كبيرًا، وأنه بريء بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

الاسمان الرئاسيان المحتملان يقفان بصرامة التصدي للظفر بالرئاسيات المقبلة، ويملكان حظوظ فوز ربما متقاربة، فيما تبديه الدوائر الحزبية، والتنظيمات الأهلية والوطنية المعنية مباشرة بالانتخابات الرئاسية المنتظرة، على أنهما أقوى مترشحي الرئاسة المحتملين، في غياب ترشح الرئيس.

الخمسة والاقتراع المفتوح

من بين أكثر الفرضيات التي صنفت إشاعات رئاسية، وروجت مؤخرًا برحابة الوسائط الاجتماعية وتغلغلها الشعبي، فكرة «الاقتراع المفتوح» على تنافسية لمترشحين رئاسيين محتملين، جميعًا يحوزون على رخص كتلة الموالاة السياسية المدنية، وربما العسكرية، فقد انبرى الإعلام الجزائري وإعلاميون معروفون في عرض هذه الفكرة «الخمسة والاقتراع الانتخابي المفتوح» في إطار تعليقات هؤلاء الإعلاميين على الأحداث في الوسائط الاجتماعية. وهي فكرة تستهدف مباشرة إقصاء الفكرة الكبرى، الفيصل، والتي تعني مباشرة أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لن يترشح في الرئاسيات القادمة، وعمومًا هي ليست سوى إشاعات إعلامية لا أكثر، ولا أقل.

مما يفتح التخمينات، والتنجيم السياسي على من ستتبناه كتلة الموالاة والحكم عمومًا. إن هذه الفكرة وكأنها تسريب غير رسمي تضمن طرح أسماء خمسة سياسيين معروفين، من الواضح أنهم يحوزون ربما رخصة الاعتلاء الرئاسي ضمن التوازنات الثلاثة الأهم في الجزائر، وبالتالي قد يكونون رؤساء محتملين، الأسماء هي: عبد المالك سلال، شكيب خليل، أحمد أويحي ، مولود حمروش، رمطان لعمامرة. والفكرة تتمحور حول أن الاقتراع القادم 2019 سيكون مفتوحًا بمقاسات أنه لا يوجد اختيار منفرد قد تم، بل إن الخمسة مرخصون ضمن منافسة انتخابية نزيهة، كل حسب شعبيته وحنكته وذكائه، والفائز ذو الحظ العظيم سيغدو سابع رؤساء الجزائر المستقلة.

السعيد بوتفليقة.. المفاجأة

قد يخرق قواعد صمته، ويعلن ترشحه الرئاسي، وعندها فقط ستتغير ملامح كبرى، بل ستوقف طموحات رئاسية شرسة للغاية على ما تبدو، وبالتالي ستشتد معارك الرئاسيات التحضيرية المنتظرة؛ لأنه «السعيد بوتفليقة» الأخ، ليس بالقادم العادي كوجه ارتبط بظلال أخيه الرئيس، وكتاريخ سياسي، وحتمية لاستكمال مسار بعينه. والأهم أن قدومه، لن يأتي هكذا وقع المفاجآت السارة وانتهى، بل سيأتي ضمن الموافقات الثلاثية للمراكز الاستراتيجية في الحكم الجزائري.

ليغدو حينها من سبق سردهم كأسماء رئاسية محتملة تحت طائلة الحذر السياسي الشديد؛ لأن المعطيات ستحسم للأخ ضمن المرشح التوافقي كأبرز الأطر السياسية التي تحمله للولوج إلى المخاض الانتخابي الرئاسي المنتظر.

فهو بعهدة قراءات سياسية ضمن كتلة الموالاة، سيعلن ترشحه بخلفية طاغية من الشعبية، والدعم السياسي الحزبي والتنظيمي الأهلي، وشبه الرسمي العارم الذي لن يدع فرصًا لمجرد المنافسة. وعلى كل حال، إن كانت المآلات غير هذه المتوقعة بترشيح الأخ، فإن الأمور ستأخذ منعرجات تنافسية ضمن منطق مصلحة الدولة، وكتلة الموالاة وربما على مقاسات «فرضية الأسماء الخمسة» التي تبدو الأقرب تمامًا لما ستعرفه الانتخابات المنتظرة في 2019.

ملحق:

*1: «تنسقية العهدة الخامسة»‏، مبادرة عضو المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير في الجزائر، و تم احتواؤها سريعًا داخل هياكل الحزب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات