منذ تصارع الفكر الإنساني حول صياغة الدستور البشري الذي يمكن أن تسير عليه الدول اقتصاديًّا ربما طرح السؤال الآتي لماذا تتصارع هذه الأفكار وهل هي لمصلحة البشرية أم أنّ هناك عقليةً تريد التسلُّط على المجموع الإنساني والنظر إليهم من علٍ؟ أستحضر في هذا التمهيد كلمة قيلت عن زرادشت أنه كان يظن أنّ قدميه هما حافة السماء التي نراها؛ ولذلك مهما حاول الحساد أن يتطاولوا عليه فأقصى ما يصلونه برؤوسهم المشرئبة أسفل قدميه، فأناسٌ كثيرون طبعوا على حب السيطرة والتحكم وهذا يتحقق بتوظيف عدد من أبناء جنسهم لتحقيق مصطلح السيطرة والتحكم لديهم.

لا ندري متى بدأ مصطلح الوظيفة بالتحديد، ولكن سنتتبع بيئة الوظيفة التي سأعرضها من خلال وجهة نظرٍ شخصيةٍ، ولكن أظنّ أنّ الأكثرية من القراء تشاركني الرأي فيها، لا سيما أولئك الذين عاشوا بيئة الوظيفة، وفقهوا عالمها.

في عالم الوظيفة تجد قبل دخولك عنوانًا على وجوه زملائك يقول لك: نفِّذ واسمع ولا تعترض فأنت في وظيفة عامة وأنت خاضعٌ لمدير هو المسؤول عن كل شيء، إن اعترضت فاتبعِ الدبلوماسية ولا تكن فجًّا فتنفض الوظيفةُ عنك يدها وتصبح بيد التشرد باحثًا عن مديرٍ آخر يحتويك ويسيِّر أمورك، فمثلًا إن وجدت مشكلة في مشروعٍ ففي الغالب أو لنقل في معظم المجتمعات الوظيفية ترى عددًا مِنَ الموظفين يبَرعون في النقد أمام زملائهم؛ حتى إنه ليأتيك شعورٌ أنَّ هذا الموظَّف بركانٌ سينفجر في وجه المدير وعندما يلتقي بمديره تراه أصبح ممتّعًا بالخبرة الدبلوماسية الدولية، فلا صوته يرفعه ولا تسمع إلا همهمةً إِنْ سمعت، أو صمتًا مطبقًا وكأنه تحوَّل كائنًا مغايرًا لذلك الذي رأيته يرتعد ويزبد في حضرتك وأمام ناظريك؛ وإذ به الحمَلُ الوديع المنتظرُ لأمر سيده.

عليك أيُّها المـُقدِم على الوظيفة إن كنت مِقدامًا همُامًا ونصف شجاع أن تخضع لعملية تأهيلٍ عند موظَّفٍ قديم قد أكل الزمان منه وشرب في مواقف كالتي ذكرتها لك آنِفًا حتى لا تُفاجأ، وتتعجب إن صدمت بموقف مشابه.

ستسمع قبل الخوض في غمار الوظيفة قصائد عكاظ في أهمية الالتزام بالعمل والدوام وأن تأتي بوقتٍ محدَّدٍ وتخرجَ كذلك في وقتٍ معين، ستسمع كثيرين يجلسون معك يُظهِرون لك عصاميتهم وأنهم لا يخشَوْن إلا الله، ولا يأبهون بغضب المدير وأنَّ قرارهم من ذاتهم… هؤلاء نفسُهم نفسُهم تمامًا لا غيرهم ستراهم هم الذين سيقفون بوجهك عندما تقولُ كلمة حقٍّ مخالفةٍ للمدير ومغايرةٍ لما يريد، بل لا تستغرب إن وقفوا ضدك وبيَّنوا أنك متهورٌ وصاروا يتفاصحون عليك بنظرياتهم العقلانية التي لا تزيدك إلا استصغارًا لهم، ونقمةً على نفسك لأنك احترمتهم وصدقت أقوالهم.

سيَمُنُّ عليك أحدهم بنصيحة: ولماذا يا أخي أنت تكون في الواجهة دعْ غيرك يبادر ولا تكن أنت فوهة المدفع؟، ثم ستجد هذا الإنسانَ عندما تغيب عينُ المدير عنه فنّانًا في النّقد بارعًا في التأفف من الحال الذي هو فيه ناقمًا على الوظيفة واليوم الذي توظَّف فيه.

أخبرني أحدُ الأساتذة الكبار وكان يعمل في مؤسسةٍ كبرى ومحترِفةٍ ومفعَمَةٍ بالخبرات أنّ القاعدة في تلك المؤسسة أنّه على الموظف أن يُشجع كلَّ مشروعٍ يقترحه المدير، وألا يعترضَ أبدًا وروى لي مثالًا، قال: إذا قدَّم موظَّفٌ في مؤسستنا مشروعًا وعرَضَه على المدير ينبري المدير ويقول له: «سنعرضه في اجتماع الإدارة».

وهذا يعني طبعًا رفض المشروع؛ لأنَّ جميع الموظفين سيستمعون إلى المدير وهو يقدم المشروع بنغمةٍ يفهم الموظفون من خلال تراكم الخبرة أنها نغمةُ رفضٍ، فيبادر المجلس أوتوماتيكيًا بالرفض، أما لو عُكِسَتْ الصورة وجاء المدير وعرض مشروعًا فهناك سنةٌ على الجميع السير فيها وهي المدح والتقريظ والثناء على هذه الفكرة الناجحة، فالشعار في الوظيفة أرضِ مُديرَكَ؛ لتحافظ على رزقك.

ستضحك وأنت تقرأ ورقة كرتونيَّةً مكتوبًا في رأسها شهادة خبرةٍ من الوظيفة التي عملت فيها، وستقول ما هي الخبرة التي أخذتها خلال هذه السنة؟ وإن كانت حقيقيَّةً ستسأل نفسك هل هذه الخبرة تستحق هذه السنوات التي أفنيتها في هذه الوظيفة؟

أعظم خبرةٍ ستأخذها من الوظيفة أنَّ كلمة الحق مرةٌ فيها وأنّ المنافقين يترأسون، وأن الضعفاء فيها يستأسدون على من هو أضعف، وأنّ فكرة الديكتاتور تراها متجليَّة ومطبّقةً أمام ناظريك. وهناك خبرةٌ أخرى وهي اللامبالاة يعني شعار «فخّار يطبِّش بعضو» و«أنا مالي» و«هم يتحملون وما أنا إلا عبدٌ مأمور» يعني وكأنه ليس هو المنفِّذ والأداة التي يُكتَبُ بها الباطل.

وإن كنتُ مخطئًا فلماذا ومع هذه الخبرات المتراكمة تجد معظم الموظفين أقلَّ الناسِ إنتاجًا وحيويّة وتفاؤلًا في الحياة؟

إنَّ مفهوم الوظيفة وأنها قيدٌ جعل كثيرًا من الشركات الاقتصادية الكبرى في العالم تسعى للعمل وَفق مصطلحٍ اقتصاديٍّ جديد وهو: «اقتصاد العربة» (gig economy) يتيح هذا اللون الجديد من العمل نوعًا من الحرية؛ إذ إنك لن تُلزم بساعات دوام ولا مكان للعمل، بل أنت حرٌّ في اختيار ساعات عملك ومكانها، ويقال إن 41% في أمريكا سيكونون عاملين وفق اقتصاد العربة قريبًا، وهذا يعني أنَّ الشركات استشعرت أنَّ الموظَّف المقيَّد لا يُنتج مثل ذلك الذي يعمل بحرية.

تجاربُ كثيرةٌ لمبدعين في شتى صنوف المعرفة الإنسانية والمالية تركوا الوظيفة، فمن الأدباء المشهورين نجيب محفوظ الذي هجر وظيفته ولم يعدْ يستطع الاستمرار فيها؛ لأنه مثَّلَتْ عائقًا أمام إبداعه الحر ورآها قَيْدًا يُقلِّم أجنحة إبداعه المـُحَلِّق. وقل مثل ذلك في محمود شاكر الذي هجر وظيفة المعيدية؛ لأنها كانت ستفرض عليه مسايرةً وموافقةً لقولٍ يرى خلافه ووجد أنَّ عقله لا يمكن أن يتحمَّلَ ذلَّ وظيفة تفرض عليه رأيًا واتجاهًا. حتّى الإعلام اليوم تجد أنَّ المؤسسات التقليدية القائمة على قانون الوظيفة بدأت تتزعزع مكانتُها أمام الإعلام الحر أو ما يُطلق عليه مصطلح الإعلام البديل، ودليل ذلك أنّ كثيرًا منها بدأ يستقطب أولئك الذين برزوا في مجال الإعلام البديل وأعطوهم برنامجًا يتّفق وموهبتهم التي فرضوها على الواقع الإعلامي بحريةِ فكرهم وقدرتهم على الإبداع.

أما في مجال المال فربما لا تتسع الأسطر لذكر تجارب الذين هجروا الوظائف وأبدعوا في مجالات عملهم الحر وأذكر في هذا المقام صاحب موقع علي بابا الصيني هذا الإنسان فشِل أكثر من مرة في اجتياز امتحان اللغة للقبول الجامعي، إلا أنه أصر وفي نهاية المطاف نال شهادة في الإنكليزية من معهد المعلمين وعمل محاضرًا في جامعة هانجتشو ديازني، لكن كان له طموح أن يكون من الأغنياء ورغم فشلِ أكثر من محاولة له في العمل الحر رغم استداناته المتتالية، إلا أنّه مع ذلك هجر العمل الوظيفي، وثروتُه اليوم في عمله الحر الذي نجح فيه أخيرًا 12 مليار دولار .

في النهاية الحرية أسمى مفهوم إنسانيٍّ وأيُّ شيءٍ يقف أمامه، ستمقته بالفطرة التي خلقها الله عليها، وليس كل إنسان يمكن أن ينجح في عمله الحر ولا كل إنسانٍ مناسب له، لكن الإجماع أو لنقل رأي الغالبية أن العمل الحر جاذب لكل ذي فكرٍ حرٍّ لا يقبل القيود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد