يذهب الخطاب الإسلامي في بعض مكوناته اليوم لاستدعاء صور منتقاة من الـتأريخ الإسلامي ليُدعّم بها توجهاته الحالية، مع تجاهل كبير للفوارق، واستخدام مفرط لمنهج الإسقاط، وكأن العوامل التي حدثت في التأريخ ستعود اليوم بحذافيرها، متناسيًا أن ثمة فوارق وعوامل حيوية يصعب اجتلابها من الماضي.

من أظهر الأمثلة، استدعاء الزحف الإسلامي الأول في عهد الراشدين وتحقيقه انتصاراتٍ سريعةً على الحضارتين الفارسية والرومانية، وقياس ذلك على اليوم للخروج برؤية مفادها أن بإمكان الزحف الإسلامي اليوم أن يحقق ضربات نوعية على الهيمنة الغربية.

مع تغافل لطبيعة المعركة اليوم من حيث تقنياتها وأدواتها، فالفارق بالأمس كان محصورًا في العدد البشري، وأما نوعية الأسلحة فكانت تشهد تكافؤًا نسبيًا، بمعنى آخر لم يكن الصحابة يقاتلون بالسيف والروم يقاتلون بالبندقية، فالأسلحة تنتمي لباقة واحدة.

ناهيك عن العوامل الأساسية الكبرى من عقيدة راسخة، وقيادة صلبة وكتلة إيجابية وصفها الله بخير أمة أخرجت للناس.

إعادة رسم صورة الزحف السريع في المخيال الإسلامي اليوم، أغرى البعض باستعجال المعركة مع قوى الهيمنة في العالم، مع تجاهل شديد لموازين القوى، وتخلّف الوضع الإسلامي في أغلب جوانبه.

يحتاج الخطاب الإسلامي الذي لا يزال يرسف بعضه في أغلال الأماني، لإعادة قراءة التأريخ الإسلامي كما هو لا كما نريد، فاحتلال بيت المقدس استمر 88 سنة حتى جاءت معركة حطين، ثم سلم أحفاد صلاح الدين بيت المقدس للصليبيين من جديد ولم تخرج آخر مستعمرة صليبية من الشام إلا بعد قرن من حطين، أي أننا نتحدث عن قرنين من الزمن، رغم أن المستوى الحضاري للمسلمين آنذاك كان أرقى بكثير من الفرنجة في كل النواحي.

وعندما طمس التتار معالم المشرق الإسلامي لم تعد له العافية إلا بعد قرابة قرنين من الزمن، حينما نشأ الجيل الثالث والرابع من التتار في ظل التربية الإسلامية فتحولوا إلى جنود أوفياء لهذا الدين العظيم.

تجارب مريرة خاضها الإسلاميون، ثم آبوا بالبوار ولا يزال بعضهم يُمنّي الناس بحسم المعركة بالضربة القاضية!

ثمة تجاهل شديد لقوانين نشوء الحضارات وخفوتها، أهم تلك القوانين انتقال الحرارة الحضارية، هذا الانتقال جزء من النواميس التي عبر عنها القرآن الكريم بسنة التداول، إلا أنه انتقال بطيء وفاعل في الزمن الطويل، إذ الطاقة الحضارية لا تنتقل إلا بفعل زمنية طويلة من الاحتكاك والتعلم.

ولو استعرنا قانون توينبي في نشوء الحضارات وسقوطها المعروف بقانون التحدي والاستجابة، لوجدنا أن الغرب اليوم لا يزال الأكثر سرعة وتمكنًا من الإجابة على التحديات الاجتماعية والسياسية والعسكرية التي يجابهها، ومراكز الأبحاث والبرلمانات والمشرعون والعلماء هنالك لا يزالون يسابقون الزمن في التدافع مع التحديات التي تعانيها مجتمعاتهم، مقارنة بغيرهم.

أما المؤرخ الأمريكي الشهير ويل ديورانت، الذي يرى أن تدمير الحضارات يأتي من داخلها بفعل الاستبداد السياسي وهشاشة التعليم وتمزق المجتمع إلى إثنيات أو طوائف متناحرة، فإنك لتلحظ أن النظام السياسي الغربي لا يزال الأبعد عن طاعون الاستبداد الذي ضرب أمتنا في مقتل، والغربيون أكثر العالمين تعليمًا وتماسكًا مقارنة بغيرهم، وبالأمس تداعى الأوروبيون لمعالجة ظهور اليمين المتطرف خوفًا من خطورته على النسيج المجتمعي، فتراتيل الفاشية والنازية لا تزال ترن في آذناهم.

أما المؤرخ إدوارد جيبون فيؤكد في كتابه (اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها) أن أهم عوامل سقوط الحضارات تكمن في شيوع الترف وغياب حس المسؤولية الفردية وارتفاع الضرائب والجبايات وتفكك الأسرة.

اللورد ماكولي مؤرخ وكاتب إنجليزي عاش في القرن التاسع عشر ركز على عامل الرضا عن النفس وعن الوضع، وعدَّ ذلك مدخلًا خطرًا لسقوط الحضارات، لأن القلق يجعل الإنسان متحفزًا للتطوير.

وإننا اليوم لنجد سمة القلق العلمي المنهجي ماثلًا في الدوائر الغربية، حتى إن قرون الاستشعار تتحسس أي تغير طارئ، فتطلق صفارات الإنذار في شكل تقارير محذرة من المصير، هذه التقارير التي يطير بها بعض المسلمين مبشرًا بموت الغرب دونما قراءة للوجه الآخر من الصورة.

ما نود الوصول إليه أنه وبالرغم من الفجوات الأخلاقية والاجتماعية التي يعيشها الغرب إلا أن مقومات الحياة أكثر بكثير من عوامل الموت، وليس من مصلحة الخطاب الإسلامي أن يُمنّي نفسه بموت الغرب الذي لو سقط فعلًا فإن العرب أبعد الوارثين، فهناك من هو أجدر حضاريًا وعلميًا.

لقد آن الأوان لخطاب عودة الخلافة وزوال إسرائيل وموت الغرب وسقوط البشرية على حافة الهاوية، أن يُستبدَل به خطاب تحليلي علمي يجيد قراءة الآخر، ويعظٍّم من الخطوات الحضارية لأمتنا، ودورها في تكثيف النجاحات وإحداث التحولات البطيئة، وتوجيه الطاقات إلى البناء التحتي من خلال استجلاب العلوم والتقنيات والمعارف الإنسانية التي تنهض بالأمة، فالتعويل على السيف الحضاري أكثر جدوى من الركون إلى السيف الجهادي إلا لمقاومة غزو مباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد