تعتبر الانتخابات البلديّة التّونسيّة مرحلة مفصليّة ومصيريّة في طريق إرساء ديمقراطية ناشئة مازالت تتحسّس في طريقها وفي تجربة تونسية فريدة ناجحة نسبية في محيط إقليمي ودولي متقلّب ومضطرب، وقد أسدلت أخيرًا ستارها وكشفت عن أسرارها وكانت للمحلّلين قراءات عدّة لنتائجها، وقد أجمع أغلبهم على نجاحها ونزاهتها رغم بعض الخروقات الّتي لم تؤثّر في النّتائج، وممّا يلاحظ هو العزوف الكبير للفئات العمرية الشّابة عن ممارستها لحقّها الانتخابي في تصرّف قد يكون احتجاجًا و(قرفًا) من طبقة سياسيّة لم تكن في مستوى آمالها وهو ما يحتّم مراجعة ذاتية لتلك الطّبقة وتعديلًا لبوصلتها وتصحيحًا لمسارها ومن أبرز ما أفرزته الانتخابات هو فوز حزب حركة النهضة بثلث المقاعد تقريبًا مع تراجع نسبي لحركة نداء تونس الحاكم، وصعود لافت لحزب التيّار الدّيمقراطي، وخصوصًا للقوائم المستقلّة.

وبمجرّد أن خفت ضجيج الحملات الانتخابية، انبعث صخب جديد مردّه منافسة غير عاديّة على كراسي رئاسيّات البلدية، وكان ذلك جليًّا وواضحًا ومحتدمًا في بلديّة تونس العاصمة، أو الحاضرة، بما يمثّله تاريخيًا منصب رئيس بلدية تونس المقترن بمشيختها من رمزيّة.

وما كان لهذا الجدل أن يثار لولا أنّ المرشّح لذاك المنصب هو من حركة النهضة الفائزة بـ21 مقعدًا من مجموع 60، فأن يكون شيخ مدينة تونس نهضاويًّا يثير حساسيّة مفرطة لدى البعض، ولن يشفع له أن يكون امرأة في سابقة لم تحدث من قبل منذ 1858حين تمّ إحداث هذا المنصب لأوّل مرّة بمقتضى مرسوم محمّد باي بن حسين، وقد تداول عليه حتّى هذه اللّحظة 31 رئيسًا لتمنح الفرصة للمرأة لأوّل مرّة للتربّع على كرسيّ المشيخة.

والغريب أنّ من منح هذه الفرصة هو حزب حركة النّهضة ذو المرجعيّة الإسلامية، أمّا الأغرب فهو أنّ المعترضين هم من يدّعون الحداثة، وينصّبون أنفسهم حرسًا على نموذج مجتمعي تونسي طالما يروّجون أنّه مهدّد من قوى الظّلامية والرّجعية، والّتي يصنّفون حركة النّهضة في خانتها.

يبدو أنّ تحرّر المرأة هو مجرّد شعارات فضفاضة وورقة للمزايدة وحصان طروادة للهيمنة والحكم؛ إذ بان بالكاشف زيف ما كانوا يصمّون به آذاننا، وانكشفت حقيقة نظرتهم الدّونيّة للمرأة، فهي في النّهاية ما هي إلا امرأة كما قالها الرّئيس الباجي قائد السبسي الّذي انتخبنه مليون امرأة.

سقطت ورقة التّوت عن نخبة النّمط والحدثوث، لتنكشف عوراتهم وزيف أطروحاتهم حول المرأة وتحرّرها؛ إذ اتّخذوه موضوعًا للمزايدة والإلهاء عن الاستحقاقات الحقيقية، وهو تحرّر الإنسان ككلّ بغضّ النّظر عن جنسه.

هل كان لهذا الجدل أن يحدث لولا لم تكن المرشّحة لمشيخة مدينة تونس هي من قائمة حركة النّهضة وهي السّيدة سعاد عبد الرّحيم الصّيدلانية المستقلّة والنّائبة السّابقة في المجلس التأسيسي؟

لا أعتقد ذلك؛ إذ يبدو أنّ البعض من المرضى المصابين بالعمى الأيديولوجي لم يستطيبوا أن تحقّق حركة ذات مرجعيّة إسلامية انتصارًا ولو معنويًّا وهم يسعون بشتّى الطّرق لتحويله إلى هزيمة بفرض مزيد من التّنازلات باسم التّوافق الّذي اتّضح أنّه مغشوش، وأنّه يتمّ من جانب واحد، ويبدو كذلك أنّ حركة النّهضة مهما قامت به، فهي لن ترضي خصومها الّذين لا يرضي بعضهم سوى انسحابها من السّاحة بالكامل.

و الملاحظ أنّ الحركة الّتي أعلنت فصلها الدّعوي عن السّياسي وقامت بعديد الخطوات المنفتحة على محيطها منها إدراج العديد من النّساء منهنّ المستقلّات على رأس قوائمها كما عيّنت في سابقة أخرى مواطن تونسي يهوديّ الدّيانة (السّيد سيمون سلامة) على رأس قائمة بلدية المنستير في سابقة لم تحدث من قبل، ولم يتجرّأ عليها أكثر الحركات تشدّقًا بالحداثة وبمفاهيم المواطنة، مع العلم بأنّ مدينة المنستير هي موطن الزّعيم الرّاحل الحبيب بورقيبة مؤسّس الدّولة الحديثة، وصنم النّمط الحداثي التّونسي المهدّد من قبل الإسلامويين، أو كما كان يطلق عليهم الخمينيين، ثمّ الإخوانجية.

هي رسائل طمأنة موجّهة للدّاخل والخارج، لكن يبدو أنّ البعض من الدّاخل من غلاة اليسار واليمين لم يأخذوها مأخذ الجدّ وشكّكوا في صدق نواياها، بل إنّ كهنة معبدي الكهنوت والحدثوت اصطفّوا لمهاجمتها، فالحداثويون اعتبروا مثل هذه الخطوات هي مناورة وعمليّات تجميليّة للمغالطة قصد التمكّن والانقضاض على مؤسّسات الدّولة، وبالتّالي تهديد النّمط المجتمعي التّونسي، وهؤلاء لن يرضوا عن حركة النّهضة حتّى ولو خرجت من جلدها باعتبارها ذات مرجعيّة دينيّة ولتشكيكهم في وطنيّة مشروعم وانتمائهم للوطن الّذي حوّلوه إلى وثن يوزّعون صكوك غفرانهم على من يشاؤون.

أمّا عن غلاة اليمين فإنّهم اعتبروا ما تقوم به النّهضة هو خروج صريح عن النصّ القرآني، وانسلاخ عن ثوابت الدّين، نفاق بل ردّة وكفر.

ووسط هذه التّجاذبات والعواصف والألغام تسير التّجربة التّونسية بتعثّر وببطء شديد لتشكّل استثناء لنجاح نسبي في محيط من التّجارب الفاشلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد