يقول الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: سقط القناع عن القناع، إنّ قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى مدينة القدس الشريف، خطوة مسبوقة ولحظة تاريخية فارقة. لكن بعيدا عن تبعات هذا القرار المستفزّ والذي وصفه الممثّل الأمريكي الشهير روبرت دينيرو بأنّه قرار غبيّ من رئيس غبيّ، يمكن أن نلحظ بعض الجوانب الإيجابية في هذا القرار. وقد أشرنا في مقال سابق على موقع ساسة بوست تحت عنوان القدس تعلن ترامب عاصفة لإسرائيل، بأنّ قرار الرئيس الأمريكي قد عدّل البوصلة وأرجع نبض الشارع العربي إلى مكانه الصحيح. وعلاوة على هذا، فإنّ هذا القرار الأمريكي الخطير قد دفع بجانب إيجابيّ آخر، ألا وهو فضح الأنظمة العميلة شرّ فضيحة، فعرف الشارع العربي والإسلامي صديقه من عدوّه وميّز بينهما.

إنّ المتمعّن في التاريخ السياسي للأنظمة العربية من خلال البانوراما المؤرشفة، يستطيع الجزم بأنّ الصراع العربي الإسرائيلي  يعدّ من أكثر الصراعات التاريخية الممتدة التي عرفها العالم المعاصر، سواء على خطّ مواز للحروب العسكرية أو على مستوى المواجهة السياسية.

كما أنّه كانت هناك حروب أخرى لا تقلّ في الأهمية عمّا أشرنا إليه، حروب  استخباراتية في عالمٍ غامض وخطير متفرّد بأسراره ومتغيّراته الاستراتيجية على جميع الأصعدة، إنّه عالم الجواسيس والمخابرات وهذا ليس ضربًا من ضروب الهوليودية أو اختلاق سيناريو فيلم تشويقي. فالقاصر والداني يعرف عمالة بعض الأنظمة العربية لصالح إسرائيل وبيعهم للقضية الفلسطينية أو التخلّي عنها.

ومن خلال سنوات الصراع المستمرّة إلى اليوم أي إلى تجرؤ الرئيس الأمريكي إعلان القدس عاصمة لما تسمّى بإسرائيل، كانت إسرائيل حريصة على اختراق الدول العربية لا سيّما دول الطوق، ولم تدخر جهدًا في تجنيد العملاء والجواسيس، ناهيك عن الأنظمة العميلة التي دخلت بيت الطاعة طوعا بعد أن كانت تدخله كرها. إذ لم يعد خافيا على أحد اليوم أنّ هناك سبعة أنظمة عربية تقيم علاقة وثيقة بالكيان الصهيوني دون خجل أو قلق.

ولئن تفاوتت درجة الاعتراف بهذه العلاقة على البارومتر السياسي بين التطبيع الرسمي من خلال علاقات دبلوماسية مباشرة وتبادل السفارات والسفراء أو علاقات دون المستوى الرسمي من خلال البعثات غير الحكومية أو على مستوى مكاتب التمثيل الدبلوماسي، فإنّ مثل هذه العلاقات تأخذها إسرائيل بعين الاعتبار وتعتبرها نقطة قوّة قد تواجه بها الحرج السياسي الذّي يسبّبه جهازها العسكري القمعي من جرائم ومجازر ارتكبها عبر التاريخ، أو التصدّي للقرارات الدولية التي تطالبها في عديد المحطّات بالالتزام. فهي باعتراف هذه الأنظمة تقول للمجتمع الدولي: هل ستكونون ملكيين أكثر من الملك نفسه؟ ها هي الأنظمة العربية تعترف بدولتي وتقيم معي علاقة شرعية على سنّة البروتوكول ورسوله، وهي أحقّ منكم بانتقادي، لكنّها لا تفعل ذلك بل على النقيض تماما، أكثر من دولة عربية دعت إلى الانصهار في حلف عسكري مع إسرائيل لمواجهة الامتداد الشيعي.

إنّ ترامب بقراره الأخير نقل السفارة إلى القدس قد أحرج هؤلاء العملاء وأوقفهم عراة أمام شعوبهم وسلب منهم ضمائرهم، فهم السبعة الذين أذلّهم ترامب بذلّه يوم لا ذلّ إلاّ ذلّه. لأنّه ببساطة أي دونالد ترامب، باعترافه بأنّ القدس عاصمة لإسرائيل، وضع الحلفاء العرب لواشنطن في موقف محرج ما بين الاستمرار في تأييدهم لشريكهم القوي وذلك بعد القمّة الإسلامية الأمريكية التي عقدها الملك سلمان في الرياض وبطلب منه، أو مراعاة الرأي العام العربي والإسلامي المعادي للكيان الصهيوني. فهذه الأنظمة تربطهم بالولايات المتحدة الأمريكية علاقات جيوسياسية، كما أنّهم يعولون على مساعداتها المالية والعسكرية وأيضا مواقفها السياسية في مجلس الأمن من خلال غضّ البصر عمّا تفعله بعض هذه الأنظمة من مجازر في دول عربية شقيقة، لقد وقعوا حقيقة  في موقف بالغ الحساسية.

ويستبعد الخبراء أن تمضي هذه البلدان أبعد من شجب والتنديد والاستنكار، يعني تلك المواقف التقليدية والفلكلورية التي تعوّد عليها الجمهور العربي والإسلامي منذ زمن بعيد. فكلّ المتابعين والخبراء يجمعون على أنّ هذه الأنظمة لن تتخذ مواقف تضر بعلاقاتها مع الأمريكيين. وفي هذا الإطار، نذكّر بما قاله مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمان عريب الرنتاوي بأنّ ما فعله ترامب يشكل حرجًا شديدًا للأنظمة المتحالفة مع واشنطن، ولا سيما أنه من غير المرجح أن تمضي بعيدًا في تصديها للموقف الأمريكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد