إن أزمة هذه الأمة هي ازمة فكرية تندرج تحتها سائر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. والأزمة الفكرية، إما أن تحدث نتيجة لاضطراب مصادر الفكر، أو اختلال طرائقه أو مناهجه، أو عن ذلك كله معا. وهي تنشأ عن قابلية واستعداد. ولقد تجسدت هذه الأزمة في غياب الرؤيا الواضحة، وانعدام الاصالة الثقافية والتوازن النفسي، واضطراب المفاهيم، وازدواجية التعليم، واختلاط الاهداف وانهيار الانظمة والمؤسسات. ثم إن اضطراب البناء الفكري للإنسان المسلم هو التفسير المقنع لسائر ظواهر التخلف – بمفهومه الشامل – المتفشية في سائر أجزاء الأمة الإسلامية.

إن العقل المسلم قد فرض عليه الانغلاق داخل طروحات تبلورت في أوضاع وأزمنه وأمكنة مختلفة، أصبحت تتحكم في رؤيته لمواجهة الواقع المعاشي؛ مما أورثه العجز عن تجديد وتحديد أدواته من خلال هذا الواقع. ونتيجة لذلك الانغلاق أصبح الانسان المسلم عاجزا عن معالجة قضايا الواقع، إلا من خلال فتاوى وأفكار من سبقوه، وذلك بالقياس عليها أو التلفيق بينها؛ مما جعل الكثير من طروحاته تصطدم بالواقع في بعض الأحيان، ولعل هذا العجز هو المسؤول الأول عن بعد هذا الواقع عن الإسلام.

على الإسلامين أن يجعلوا كل ما يقدمونهُ واضحا في أذهانهم واذهان الأمة، وأن يكون عمليا، يمكن تطبيقهُ في الواقع والحياة.

لابد لنا من معرفة مواقع الفكر الإقليمي والقومي بشقيه الماركسي والليبرالي ومدى عمق جذوره في عالمنا الإسلامي، حتى تتمكن قوى التغير الإسلامي من معالجة التراكمات السابقة ومعرفة حجم التحدي الذي تواجهه، ولابد من مراجعة فكرية شاملة متحررة من كل الضغوط النفسية والتاريخية، لإعادة تقديم الفكر الإسلامي إلى الأمة كفكر إيجابي مؤثر وبناء، واستبعاد القضايا التي شغلت العقل المسلم في الماضي.

ولهذا فعلى الإسلامين طرح رؤية حضارية متكاملة حتى تستمر مظاهر الصحوة والعودة الجماهيرية إلى الإسلام. هذه الرؤية تعالج مشكلات الأمة القائمة بكل أنواعها، وتضع الأمة على طريق التقدم والحضارة، وتعوضها عما فات، وتستجيب لسائر التحديات. إن مواجهة عوامل التفكك والتحلل التي تعم العالم الإسلامي بجرأة وواقعية، ومن ثم التزام أسس مواجهة التحدي الحضاري والتعرف على القوى الفاعلة وأهدافها يضع قدم الأمة على الطريق الصحيح لاستعادة موقعها ومكانتها في العالم. كما أن إعادة طرح الأفكار والمفاهيم والقيم والنظم المختلفة بشكل يحقق صلاحيتها وفاعليتها وعقلانيتها، ليس أفضل الحلول فحسب، بل إنه الحل الوحيد لسائر مشكلات الأمة.

ويضاف إلى ماسبق أن على قوى التغير الإسلامي اتباع أسس مناهجية الصدر الأول والسلف الصالح لهذه الأمة حتى تفلح في إخراجها من أزماتها، وذلك مع تقدير البعد الزماني والمكاني بحيث تحصر التصرفات في المنطلق نفسه الذي كان يوجه حياة ذلك الجيل.

وقد يفرض علينا استخدام وسائل مخالفة لتلك التي عول عليها ذلك الجيل، ولكننا نضع نصب أعيننا أن الأهداف النبيلة لا تحقق إلا بالوسائل الشريفة، كما أنه لابد من استعادة المظلة التي كان رجال الصدر الأول يستظلون بها في عملية الربط العقلي المحكم بين النصوص والوقائع.

بعد هذا العرض السريع لإعطاء تفسير مقنع لأزمة الأمة الإسلامية، فإننا نستطيع أن نؤكد أن البحث عن المتهم لن يعطي الأمة الحل المنشود، بل أن معظم قوى التغير المخلصة لابد أن تتخلى عن مجموعة السلبيات، وتأخذ بأسباب التغير من الإيجابيات التي تعرض لبعضها، حتى تجد سبيلها للخروج من هذه الأزمة بالعقلانية الإسلامية التي استطاع بها الرعيل الأول القفز بهذه الأمة إلى مواقع القيادة البشرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

د. طه جابر العلواني - كتاب خواطر الأزمة الفكرية والمأزق الحضاري للامة الإسلامية
عرض التعليقات
تحميل المزيد