لم تعد العهدة الخامسة مجرد مهلة زمانية رئاسية بعد انتخابات عامة على الأقل في الوعي السياسي الجزائري في الألفية الجديدة،؛ فقد بدت أعمق من ذلك بكثير على مقاسات أمنية، واستشرافية، وتوازونات وأشياء أخرى.

ولم يعد معها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة  مجرد شخصية سياسية، بما يعرفه العالم عنه رئيسًا رفعه الصدى الإعلامي للمعارضة، بوصفه الرئيس الذي لا يريد ترك السلطة، ولم تعد عند كل هذا جزائريًا، ولعمري لهو الأهم، مجرد الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، التي تأكلها الإشاعات السياسية، والرئاسية على وجه الخصوص، وما دون ذلك من الشائعات والتسريبات والتركيبات المتداخلة بعضها من بعض؟

(في المعنى) كل هذه الانطباعات لا تقوم إلا كما يقوم الذي يتخطفه الطير تمامًا، فلا هو ظل، فأفهم، ولا هو قال، فصدقته الأيام!

فالتسريبات المشوهة، والأحاديث الإعلامية كما الرصاص الصديق، الإعلام اللندي، أو الإعلام الباريسي، وبقايا الأقلام المنهمكة في ترتيبات لا تغني ولا تشبع من جوع الأحزان في شيء، وكلها مرسلة على مقاسات الخلق الديمقراطي، والفقه التداولي للسلطة، وتجليات تقنيات حروب الجيل الرابع، وحروب الجيل الرابع معكوسًا في التباكي والتنديد، والإعلاء المأساتي البانورامي للوقائع، والأحداث الغريبة الجانبية، وكل المحتوى الذي يستهلكه الإعلام التواصلي الاجتماعي ويبثه نكاية في البلدان الحزينة العالقة في عذابات الخبز والعرق؟ مرفوق بصور عن محمولين على الأمواج المتوسطية أو المحيطية أو أية أمواج أخرى نكاية في استغراب عن الصدر الأموي، أو مرميين على أرصفة الضياع و الليل، أو المندسين في جيوب الفساد والمحسوبية، أو أشياء أخرى لما يعطى للمحتوى التواصلي الجديد نكهته؟

إن المشتغلتين بالتحاليل وصياغة الأخبار على خلفية تاريخية عما كان، والكائن القريب؟ والذي سيكون؟ تلك الأساليب التي أكلت مصوغاتها التأثيرية، وقد طلعت منذ تسعينات القرن العشرين، واستمرت على مقاسات الحكومات الجزائرية المتتالية كلها، إلى أن استفردت بالزمن البوتفليقي الرئاسي بما له وما عليه في (جزائري الحزينة).

لم تعد ربما تثير أدنى انتباه شعبي بمفهومه الواسع، وفي الاستثناء طبعًا أولئك الغارقون في الهوس الثوري الكلاسيكي، عن حكاية المأساة التي سيأتي لأجلها فارسها على جوداه الأبيض؛ فيمسح دموعها، ويوزع الخبز، وحليب الأطفال الأبرياء وكل ما تركبه المجازات لتغدو أقرب إلى الحقيقة، وليست هي الحقيقة أبدًا، وأقرب إلى المعاناة، وليست هي المعاناة أبدًا، وأقرب إلى تصورات السلطة الفاضلة، وليست هي السلطة الفاضلة أبدًا؟

إنه المجاز الذي يستجمع صورة واحدة، لكنه لا يلبث أن يهوى تحت اليومي المتوحش والشرس، اليومي العارف بمكنونات الأشياء ومصوغات ما يجرى؟

ولعلها العقلانية السياسية في المسألة السياسية الداخلية لجزائري، تلك القائمة منذ عقدين على توافق حزبي، يقوم على الحزبيين الشعبيين الانتخابين الأكثر نفوذًا ونقودًا في الجسد الجزائري، مساندًا من أحزاب الموالاة تلك التشكيلات الواعدة المستظهرة من مراجعات الإسلاموية، والعلمانية، والوطنية وما بينهما.

كل هذا المنتظر للقيادة على ما أضحى يقصد به النظام، وينطق مجازًا العهدة الخامسة، ويندد بالمولاة وينطلق بذات المعنى نحو الآفاق الاستحقاقية المنتظرة.

أكاد أجزم أن العهدة الخامسة لم تعد تعني بالضرورة أن يقود الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعد 2019، كما أكاد أجزم أن هذه العهدة الخامسة جلبت حولها الكائن السياسي والحزبي الجزائري على ورقة طريق بمقاسات الأغلبية الانتخابية والشعبية.

فقد أضحى المشروع البوتفليقي حجر الزاوية، وإن الإجماع البوتفليقي أضحى أسلوب قيادة، وان التحالف السياسي خطة انتخابية كاسحة كلها في ظلال المجاز والمعنى، سواء ظل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أو قضى الله أمرًا كان مفعولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد