تستوقفتي دومًا قصة سيدنا نوح -عليه السلام- والطوفان التي لم تختص الكتب السماوية فقط في ذكرها؛ بل ذكرت في بعض الأساطير القديمة (السومرية، الأكادية، وقصة بيروسوس) وقد اشتركت كل القصص على طريقة الإهلاك (الماء) ووسيلة النجاة (السفينة) والمنقذ القائد الملهم.

في الكتب السماوية: في التوراة (الإصحاحات من 6 إلى 9 من سفر التكوين) ورد الخبر كعقاب إلهي لفساد عم في الأرض، واستخلاص مختار لكائنات للبقاء، وإفناء للبقية مع التركيز على الجانب المادي التقني في صناعة السفينة. أما في القرآن فالقصة تكررت في آيات عدة وذكرت الأسباب والظروف باستفاضة للاعتبار، وكذلك طريقة  الخلاص والاستخلاص، وكانت من أكثر قصص الأنبياء التي ركز عليها القرآن.

يقول الله تعالى في سورة القمر: «كَذَبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَهُ أَنِي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَكِرٍ (15)».

ويقول تعالى في سورة الشعراء:«قَالَ رَبِ إِنَ قَوْمِي كَذَبُونِ {117} فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِنِي وَمَن مَعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {118} فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {119} ثُمَ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ {120} إِنَ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَان أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ {121} وَإِنَ رَبَكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَحِيمُ». (سورة الشعراء)

ويقول تعالى في سورة الحاقة: «إِنَا لَمَا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)».
ولن أعود إلى التفاصيل حول شكل السفينة، مكان رسوها، النظر إلى النجاة باعتبارها ثوابًا ومكافأة على الإيمان والطاعة فقط. وأريد ان أخوض في مسائل أخرى:

– الطوفان وقع مرة واحدة: حادث وحيد وفريد ومفصلي لم يتكرر، وهو أمر محوري في بعده المعرفي، وبرغم خطورته فإنه لم يلق اهتمامًا ممن كتبوا التاريخ، نفيًا أو تأكيدًا.

– الطوفان كان عامًا لم يستثن أي كائن حي (عاقل أو غير عاقل، مكلف أو غير مكلف) وكأنه عملية انتقاء طبيعية حتمية تمت بتوجيه وعلم (الاختيارمن بين كل زوجين اثنين لمن سيستمرون في البقاء) كان عن طريق ماء السماء وفيض العيون ولم ذوبان الجليد؟

– وسيلة النجاة أي السفينة أو الفلك أو الجارية أو الألواح والدسر المصنوعة بالوحي والأمر ليست بالضرورة صورة السفينة التي في أذهاننا، فالفلك أيضًا فضائي وكذلك السفينة.

– الحدث برغم أهميته في تاريخ البشرية واشتراك الأساطير القديمة والديانات السماوية على حقيقة وقوعه وقع تهميشه، ولم تجر دراسات جدية لتحديده زمنيًا ومكانيًا، فالتوراة وبعض المؤرخين المسلمين الأوائل ممن خاضوا في هذه المسائل يرجعونه إلى 10 آلاف سنة تزيد أو تنقص، وهي فترة لا تستجيب لفهمنا ومنفصمة عن التقسيم التاريخي المتعامل به. أما مكان رسو السفينة  فأغلبهم يتحدثون عن الموصل أو ديار بكر جنوب شرقي تركيا، وربما أن الواقعة ترجع إلى أكثر من 100 ألف سنة (الدكتور صالح بيراكتوتان 1977).

– ذكر في القرآن أن سيدنا نوح عليه السلام بقي في قومه 950 عامًا يدعوهم إلى الإيمان٬ وهو رقم في غاية الخطورة يدعونا إلى مزيد من الاهتمام؛ إذ يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ» (آية 14). سيدنا نوح كان نبيًا رسولًا إنسانًا، فكيف له أن يعيش 950 سنة؟ هل هو استثناء لمعاصريه أم كان ذلك العمر الكرونولوجي الذي يمكن أن يعيشه إنسان ما قبل الطوفان؟ وهل يتطابق ذلك مع عمره البيولوجي؟ هل هي قطيعة في القوانين البيولوجية؟ أم هي قضية نسبية؟ هل كان إنسانًا آخر مورفولوجيًا وبيولوجيًا قبل الطوفان تحول إلى شبيهنا بعده؟ ما أظن أنه كذلك والأغلب أنه الإنسان نفسه كان ما قبل الطوفان وما بعد الطوفان، حتى وإن كانت هناك بعض التطورات والتغيرات التكيفية فلن تكون بتلك الحدة والنشاز وما التغير في الرقم (العمر البيولوجلي المحتمل للكائن البشري) إلا تغير في مدار الدوران للفلك (المجموعة الشمسية حول مركز المجرات وربما يتبعها أيضًا مدار الأرض حول الشمس قربًا). وقد يكون الطوفان هو نهاية العصور الجليدية نتيجة للذوبان، أما السفينة التي أُمر نوح بصنعها فقد تكون شكلًا هندسيًا لغرفة أو سفينة أو غواصة تمنع من بداخلها وتحميهم  عند مرور الفلك الفضائي ببرزخ ما انتقلت عبره الحياة من مجال إلى آخر، وتمت بذلك عملية انتقائية تطورية كانت حتمية وضرورية.

لحظة الطوفان كانت انتقالًا من مجال إلى مجال وهجرة للإنسان من حرم إلى حرم وقياسًا على هجرة الرسول (المثال النمطي للمخلوقات) فعمر سيدنا نوح لم يكن حقيقة إلا عمر سيدنا محمد حين هجرته. كيف ذلك: 950=50*19، واحد=6+1+8+4=19 (الأعداد الجملية: تحويل الحروف إلى أرقام بإسناد رقم لكل حرف: أ=1، ب=2، ج=3، د=4، ه=5، و=6، ز=7، ح=8، ط=9، ي=10، ك=20، ل=30، م=40، ن=50، س=60، ع=70، ف=80، ص=90، ق=100، ر=200، ش=300، ت=400، ث=500، خ=600، ذ=700، ض=800، ظ=900، غ=1000. عملية التحويل هذه مستعملة منذ القدم لتوسيع مجال الفهم)، أي 950=50 ضارب واحد=50 مع السنوات التي لا تعلمها ما قبل بداية دعوته أي أنه من الممكن أن يتوافق سنه مع سن سيدنا محمد لحظة هجرته (53 سنة).

وبتأملنا في وسيلة النجاة السفينة أو الفلك نستنتج الآتي:

السفينة عددها الجملي 1+30+60+80+10+50+400=631 وهو العدد الجملي نفسه لكلمة المتقين: 1+30+40+100+10+50=631 أي أن السفينة حقيقة هي التقوى وهي  وسيلة النجاة والتقوى هي أن تقوى على الأهواء والذات وتستقوى بالاستمساك بالعروة الوثقى.

أما الفلك فعددها الجملي: 1+30+80+30+20=161 وهو العدد الجملي نفسه لكلمة السلم (1+30+60+30+40=161)  كما أن 161=23*7 (عدد صبغياتنا 23 زوجًا كما أن اسم سيدنا محمد=40+8+8+40=92=23*4) أي أن وسيلة النجاة تكمن في السلم وهو السلم للعبور والترقي، وهي دعوة للتصالح مع الذوات والتناسق مع الفطرة.
هي بعض التأملات التي من الممكن أن تلقى مراجعة واهتمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد