لكل قارئ قصة وتجربة مع أدبيات أحمد خالد توفيق، وكانت بعض تجارب القُراء غريبة، وبعضها عجيب، ولكن تجربتي أنا مشابهة لتجربة الآخرين من حيث المضمون والإفادة، ولكنها تختلف من حيث السرد والأحداث.. فإليك القصة:

في عامي الثاني بالجامعة، كنت أدرس مادة الجغرافيا اسمها «جيومرفولوجية سطح الأرض»، وكنا ندرس فيها أشكال سطح الأرض؛ من سهول وهضاب وجبال وغيرها، وكيفية تشكلها سواء عن طريق عوامل كيميائية مُتعلقة بالأمطار وتحلل التكوينات الصخرية تأثرًا بعاملي الزمن والمُناخ، أو عوامل ميكانيكية من نحت ونقل وإرساب.

وحتى لا أُطيل عليك في الشرح، كنت قد قرأت مجموعة قصصية للأستاذ أحمد خالد توفيق بعنوان «لست وحدك»، ووجدت في إحدى تلك القصص شرحًا سريعًا ومُبسطًا لظاهرة جيولوجية اسمها «الصواعق والهوابط»، والتي تتشكل داخل الكهوف، إثر العوامل الكيميائية من سقوط المطار وتفاعل الصخور معها، وبمرور الزمن تتحلل المواد الصخرية لتقطر سائلًا داخل الكهف، يتجمد في الشتاء، ليأخذ شكل الصواعق، حيث تشبه العصي المُعلقة في السقف، ولكنها حادة ومُسننة.

وعندما حضرت إحدى المُحاضرات المُدرجة في جدولي، وجدت الأستاذ الجامعي يسأل الناس عن صورة عرضها أمامنا على الشاشة، فكانت الصورة عبارة عن كهف، يوجد في سقفه بروز مستقيمة طويلة تتجه نحو الأسفل، فكرت مليًا في تلك الصورة، وبينما كان الكسل هو المليك الأوحد لزملائي، كان الشغف صديقي، وفجأة تذكرت ما ذكره أحمد خالد توفيق في روايته، ولكني استبعدت ذلك، فما دخل روايات الرعب بالعلم، أو ما دخل الحابل بالنابل، إلا أنني عندما وجدت الأُستاذ المُحاضر يُقدم عروضًا مُغرية بدرجات مُرتفعة لأول من يُجيب، توكلت على الله، ووقفت قائلًا: «أحسبها.. أحسبها، الصواعق والهوابط».

فتفاجأ الأستاذ لإجابتي، بل وتفاجأ بعض الحضور، فكيف لشاب مُبتدئ أن بعرف عن ذلك اللغز الجيولوجي الغريب، فقال الأُستاذ لي: «كيف عرفت ذلك؟!»

فكان ردي: «من مجموعة قصصية لأحمد خالد توفيق اسمها لست وحدك».

فقال الأُستاذ لي ساخرًا: «وما شأن ذلك بموضوعنا.. إجابتك صحيحة، ولكن هل تعرف كيف تكونت، الكتاب يعرف أما أنت وأحمد خالد.. فلا».

فقلت له في إصرار: «بل أعرف بواسطة الأستاذ أحمد خالد توفيق». وأخذت أشرح له وللحضور كيفية تكون تلك الظاهرة في الكهوف، ولما انتهيتُ قال لي: «أحسنت يا بُني، أُريدك بعد المُحاضرة أن تُرشح لي أفضل روايات أحمد خالد توفيق لأقرأها.. دائمًا ما أسمع عنه، والآن أشعر بأنه يستحق القراءة».

وبعد أن اتجهت إلى مكتب الأستاذ وجدته جالسًا على مكتبه ومنهمكًا في قراءة بعض الأوراق، ولما رآني قال لي: «تفضل يا بُني.. تفضل».

فجلست على الكرسي المجاور لمكتبه، فقال: «ها.. أخبرني بأهم كتب الأستاذ أحمد خالد توفيق؟».

فقلت له: «انقسمت رواياته بين الرعب والفانتازيا.. أُرشح لك رواية يوتوبيا، ورواية شآبيب، ورواية السنجة».

علا الذهول وجهه الأستاذ الجامعي وقال: «ما هذه الكلمات..؟».

فقلت له: «أستاذي، الدكتور كان يُناقش مشاكل المجتمع والشباب من خلال بعض الأدبيات ذات الرونق الفانتازي، ولكنها لا تخلو من هموم الشباب، فمثلًا رواية السنجة ستجد فيها ألف شاب ممن نراهم كل يوم ولا نستطيع علاج مشاكلهم الأخلاقية والنفسية، رواية يوتوبيا.. سترى معالجته للصراع الطبقي وكيف سينتهي ذلك الصراع بانهيار المجتمع أو بثورة تدميرية.. وإن لم يُعجبك أي شيء من ذلك، فابحث عن مقالاته وستجدها، فهو كان وما زال الأب الروحي للشباب».

قال الدكتور مُبتسمًا: «سأفعل إن شاء الله».

ومنذ ذلك الحين، وأنا دائمًا ما أقول: أني ممتنٌ للدكتور أحمد خالد توفيق على ذلك اليوم، وإن لم أُقابله في حياتي ولا مرة واحدة، فلولاه لما عرفت الإجابة، ولما نلتُ احترام أُستاذي وزملائي.. شكرًا دكتور أحمد خالد توفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد