شاي بالياسمين هي حكاية! بانتظار 23 يوليو جزائري!
في بداية عام 1952، قرر فاروق الأول ملك مصر وقتها تعيين رئيس وزراء جديد، وجعل مهمته الأولى محاربة الفساد، في مناخ كالح السواد، فحريق القاهرة من جهة، وثقل هزيمة حرب 1948، وقضية الأسلحة الفاسدة، وحركة الفدائيين الداعية لطرد الاحتلال البريطاني من مصر، الذي بالرغم من إعلان فبراير (شباط) 1922 المتعلق بالاستقلال، إلا أنه وجد لنفسه صيغة أخرى للبقاء والاستمرار.
وزاد الطين بلة، الفساد، وتغول رجال الأعمال على العمل السياسي، رشاوى وتربح وفساد، لم يجد الملك فاروق من رجل يستطيع امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد غير الهلالي باشا؛ فعينه رئيسًا للوزارة، رئيس الوزراء الجديد أخذ مهمته على محمل الجد، وانقض على رجل أعمال نافذ يدعى عبود باشا، الذي اشتهر باستيلائه على كل الصفقات العمومية، وبقربه من محيط الملك! فهو مقاول رئيس مع الجيش الإنجليزي وصاحب شركة نقل بحري ساهمت بقوة في المجهود الحربي البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية، ورئيس شركة السكر، ورئيس النادي الأهلي! مصادفة غربية مع الجزائر 2017، أليس كذلك؟ مع بعض الفوارق الطفيفة.
وقام رئيس الوزراء بإرسال الإعذرات ومصالح الضرائب، لكن عبود باشا عرض على الملك مليون فرنك سويسري مقابل تنحية رئيس الوزراء! فأقال الملك رئيس وزرائه بعد بضعة شهور من تعيينه. وقبض الثمن! وقام الملك ورجل الأعمال بتسليط صحافتهما على رئيس الوزراء المخلوع، لكن الصفقة انكشفت، وتحولت إلى فضيحة مدوية! وبعد شهور استدعى الملك رئيس الوزراء المخلوع، وعهد إليه بتشكيل حكومة جديدة.
وكانت ليلة 23 يوليو (تموز) 1952، هي الليلة التي كان منتظرًا أن تشهد إعلان الحكومة الجديدة، لكنها كانت ليلة الثورة، ونهاية نظام فاروق، وانتهى معه حكم أسرة محمد علي في مصر.

الجزائر 2017

الاقتصاد الجزائري على شفا الانهيار، أسعار النفط تتهاوى ولا تتعافى، بالرغم من الجهود التي تبذلها منظمة الأوبيك، الفساد في كل مكان، ورجال الأعمال يمزجون بين المال والسياسة، ظاهرة جديدة على الجزائريين، وإن كانت مشابهة لما حدث في مصر قبل 1952، وما تكرر في مصر بعد ذلك قبل 2011 بظهور طبقة رجال الأعمال المرتبطين بالحزب الوطني وحديد عز! ظهرت طبقة من رجال الأعمال يستثمرون ويحتكرون النشاط في كل مكان وزاوية، تركيب السيارات، الحديد والصلب، الأشغال العمومية والمقاولات.
دعا عبود باشا الكبراء والعظماء إلى حفل غداء على ظهر الباخرة الخديو إسماعيل، حضره سفير أمريكا المفوض في مصر المستر «پنكي تك» الذي قال إن بواخر عبود باشا المصرية ستكون رسول صداقة وطيدة بين مصر وأمريكا، وأن أمريكا لتشعر عندما تصل إليها باخرة الخديو إسماعيل بالسعادة؛ إذ ترى هذا الخط الملاحي الجديد بينهما وبين مصر مدعمًا بالثقة والصداقة وحسن التعاون. أعلن عبود باشا أن هذين الباخرتين ستحل أزمة نقل ما تطلبه مصر من أمريكا، وما تود مصر أن تصدره إلى أمريكا، حيث موانئ بوسطن ونيويورك، كما ستحفظ عملتها الصعبة النادرة من التسرب خارج البلاد، وبذلك ستكون فاتحة خير للاقتصاد المصري!
في 2015 يقوم سلال رئيس الحكومة السابق بزيارة إلى أمريكا يصطحب معه حداد رجل الأعمال الذي يعد الأمريكان بإنقاذ ديترويت بأموال واستثمارات رجال الأعمال الجزائريين فاتحًا عهدًا جديدًا في العلاقات الأمريكية الجزائرية!
بوتفليقة يعين حكومة جديدة، ويكلف رئيسها بفصل المال عن السياسة، كما جاء في خطاب تولي الحكومة الجديدة المهام أمام البرلمان!
ويبدأ رئيس الوزارة الجديد حربه ضد الفساد وبارونات الاستيراد، وكل المصانع التي أقيمت بقروض من الدولة لتكون وسيلة لنهب مال الدولة، ويثور رجل الأعمال المعروف الذي يشعر أن الحملة تستهدفه شخصيًا، ويتم إقالة الوزارة الجديدة بعد أقل من 80 يومًا من تكليفها.
هل مازال هناك من يقرأ التاريخ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد