يمكن القول إن هناك صراعًا كبيرًا في مجال التربية والتعليم في الجزائر يمتد إلى ما قبل الاستقلال، يمكن تلخيص هذا الصراع في كلمة اسمها الهوية، ونقصد بالهوية هوية الجزائر الجمهورية الديمقراطية الشعبية التي ينص دستورها على أن  الإسلام دين الدولة واللغة العربية اللغة الرسمية الأولى كما أن بيان الأول من نوفمبر والثورة التحريرية هي شرعية الشرعيات لقيام الدولة الجزائرية الحديثة، إلا أن السؤال المشكل هو أي إسلام وأي عربية وأي ثورة يمكن الاستناد عليها في بناء الدولة وتنميتها وتحديثها أو بعبارة أخرى عن أي هوية نتكلم؟

العلم في مواجهة الأيديولوجيا

إذا رأيت شخصًا نصب نفسه للدفاع عن الدين وعن الإسلام وتتبع سفاسف الأمور فاتهمه في نيته واعلم أنه يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، لأن الذي يدافع عن الدين حقًا لا يظهر في المواسم وفي البلابل بل حياته ومماته للإسلام قد وهبها، الإسلام كما أخذه من القرآن ومن السنة بتدبر وتمعن وتعقل واجتهاد وروية واجتهاد.

أما الذي يسمى إسلامًا عند الكثير فما هو إلا أيديولوجيا، ما هو إلا أفهامهم وأفكارهم وتخيلاتهم حول الإسلام، فالكثير منهم بنى صورة للإسلام في خياله ثم ذهب يبحث لها عن واقع، فإن تعارض واقع خياله مع ما يعيشه الناس من أوضاع ثقافية واجتماعية ونفسية واقتصادية اتهم المجتمع واتهم كل من خالفه بدعوى مخالفة الإسلام والرسول ومعاداة الله عز وجل، خاصة إذا تعلق الأمر بمحاولة علمية صحيحة تهدم ما بنى في خيالاته من أوهام حول الدين والإسلام وتهدد تواجده في المخيال الجماعي الذي تشكل منه وشكل بعضه في عملية تجعله يظن ما عليه من الباطل هو الحق الأبلج.

أي إسلام وأي تربية؟

أنا لا أرضى بإسلام مدني مرزاق فهل ترضى به؟ كما أني لا أرضى بإسلام عبد الرزاق مقري وإسلام عبد الله جاب الله ولا أرضى بإسلام عبد الرزاق قسوم ولا إسلام محمد عيسى ولا إسلام كل ناعق ومدعٍ وآكل بدينه، لا أرضى بإسلام يتكلم عن التربية الإسلامية والبسملة ويزعم الدفاع عن العربية ويتناسى آفة الغش التي تنخر المدرسة الجزائرية والجامعة بشكل مدمر لم يبقَ معه تميز وهضمت فيه حقوق من يسهر الليالي، لا يهمني حينها رأي من يفرح إذا استخرج ابنه ورقة الامتحان قبل الامتحان ومن يسعى لتحصيلها لابنه.

هل «بن غبريت» مسؤولة عن أخلاق أبنائكم وعن لباسهم وقصات شعرهم وكلامهم الفاحش وسوء معاملتهم للناس وفسادهم الأخلاقي، لماذا نترك القضايا الحقيقية التي تهدم المدرسة والجامعة هدمًا مثل قضية الغش والعنف بكل أنواعه الذي يمارسه الأستاذ (خاصة العنف الرمزي) والتسرب المدرسي وغيرها من القضايا الكبيرة لنشتغل على سفاسف الأمور وتوافهها إرضاءً للأنا المريضة بسرطان الأيديولوجيا والأيديولوجيا المضادة، أفضل ما دافعت به عن الإسلام هو العلم والبحث العلمي وإيجاد الحلول والتضحية من أجل القضايا الحقيقية بعيدًا عن  هالات الإعلام وحب الظهور.

فلماذا لا نرى مؤتمرات وملتقيات وأيامًا دراسية وبحوثًا ومؤلفات وندوات هؤلاء الذين يتكلمون باسم الدين وباسم الإسلام، لا لشيء ليس همهم العلم وخدمة العلم ولو علم الشريعة المهم العلم وليس الأيديولوجيا، ما تقوم به «بن غبريت» هو اجتهاد في إصلاح المدرسة بعيد عن الأيديولوجيات المختلفة التي تخدم أجندات معينة، أو على الأقل تخدم أيديولوجيا ليست أسوأ من الأيديولوجيات التي تدعي حماية الإسلام بهتانًا وزورًا.

الإعلام.. الأيديولوجيا.. السلطة والمال

الكل يحقق أهدافه الدنيئة من مثل بلبلات كهذه، فالإعلام يزداد عدد قرائه ومتابعيه باسم الدفاع عن الهوية الوطنية، وينسى العهر وخدمته لأجندات مشبوهة وتصفية الحسابات الشخصية والمستوى المتدني الذي يقدمه عبر قنواته، ويتكلم عن البسملة كأنها قضية القضايا التي ستحدد مصير الجزائر، كل هذا عن طريق أيديولوجيا بغيضة منتنة قد عرف عوارها وبوارها لكل عاقل، والكل في الكل يهدف إلى الحفاظ على المناصب أو طلبها وجمع المال، فلا تزايدوا علينا بالدفاع عن الإسلام وعن الدين فهناك رجال لا تلهيهم قنوات ولا مناصب وأموال ولا ترهاتكم عن خدمة الدين والتضحية من أجل الإسلام.

«بن غبريت».. الضحية

ترك البسملة خير من حذفها، والاعتماد على مختصين من الجزائر في مجال التربية خير من الاعتماد على مختصين أجانب، وإبقاء التربية الإسلامية خير من إزالتها، والتاريخ مادة أساسية (وأي تاريخ)، نتفق حول هذه الأمور، إلا أن تجعل مصير الإسلام والهوية الوطنية والجزائر يتوقف عليها كما يصنع الإعلام وعرابوه أمر غير مقبول، وهنا تصبح «بن غبريت» ضحية لهجمة متعددة الأيديولوجيات والتوجهات لا تخدم المدرسة الجزائرية والعلم إنما تخدم توجهات لا تمثل الإسلام ولا الجزائر ولا الثورة، فليست «بن غبريت» أسوأ من المنظومة الإعلامية الخاصة، وليست أسوأ من المنظومة الحزبية الفاسدة، وليست أسوأ من الفرق الدينية الجاهلة، وليست أسوأ من عديد من الأسر التي تشجع أبناءها على الغش وعلى أخذ حقوق الغير بالوساطات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد