من أسباب العداوة التي تنشأ بين المرء وقومه؛ اختلاف الرؤى والطموحات والتطلعات، والخلاف مبني على التفاوت في القدرات والخصال.

من المستحيل أن يكون كل أفراد القوم ملوك أو أمراء أو وجهاء أو علماء أو يملكون ملكة قيادية تمكنهم من ساسة قومهم إلا أن كل أفراد القوم يملكون طباعًا مشتركة من الأنانية، وحب الذات، وتقديم النفس والغرض الخاص على العام، والجميع يسعى إلى السياسة والإمارة، وينازع بكل السبل على الولاية، ويستغل إمكاناته الشخصية لحصد الرياسة، وجعلها حكرًا لنفسه، وإن لم يكن أهلًا لها.

فقط لأنه يرى نفسه الأكبر أو الأغنى أو الأقدر، وفي حقيقة الأمر أنه لا يستطيع التحكم في حالته النفسية من حب الظهور والصدارة والتواجد على رأس الأمور، ومن ثم ينشب خلاف مهول في عدم استيعاب الغالبية محدودة الفكر والطموح والتطلع لمن خرج على محدوديتهم، وأصبح بعيد الفكر طامحًا متطلعًا.

هو يخطط لصناعة مجد ربما هم ينتفعون منه، ويعيشون وأبناؤهم من بعده على أطلاله أكثر من الصانع ذاته، لكن نفوسهم المريضة التي أطلقت العنان للشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق تغلق الكثير من أبواب المنافع في وجوههم، وتهدم المعبد على رؤوسهم، فصاحب الفكرة يستطيع زرعها في أي قوم، وفي أي أرض، وفي الوقت المقدر ستنبت ثمارها، لكن من المستفيد؛ ألم يكن القوم أولى بعضهم ببعض؟

هذا حال كليب في قومه!

بدت فروسيته، وهذه مهارة، وبدت عزته، وهذه مروءة، وشرف نسبه، وهذه مكرمة، وذاع صيته، وهذه مفخرة، وساد قومه، وهذه مهابة كل ذلك فرضه كليب على قومه.

إلا أن الخلاف نشب لمّا أراد أن يبدل أحوالهم، ويثور على أسباب تأخرهم، وخطط لصناعة مجد لهم هم يفتقدونه، فهو نظر إلى نقاط الضعف، فوجد أسبابها التشرذم والفرقة والاحتياج والنقص، ومحدودية الفكر، وعدمية التطلع، والاقتصار على ما دأبوا عليه دون إرادة في التغيير، وإن تعرضوا للإذلال والمهانة والخضوع والتبعية والاستضعاف على يد الذين سبقوهم في الفكر والطموح والتطلع، وصنعوا لأنفسهم حصونًا وممالك، وخرجوا من القبلية إلى النظام.

ولم يقتصر عمل عسكرهم على القتال والحروب والغنائم إنما زرعوا وقلعوا وصنعوا حتى يحققوا الاكتفاء، وعدم الحاجة إلى السعي والتشتت من أجل الطعام والشراب والمرعى كباقي سكان الصحراء، وغير ثقافة الجند من الثقافة القبلية إلى ثقافة النظام والدولة.

كل ذلك أراد كليب أن يضيفه إلى قومه، فلم يستوعبوه فبدأ الصدام، وإن رضوا في بادئ الأمر بتنصيبه ملكًا على شبه الجزيرة، وهو يعتبر أول ملك لشبه الجزيرة، إلا أن الذي اعتاد على التفكك والشقاق والنعرة وعدم النظام هيهات أن يستتب له ملك، وقد كان أسقطوا ملكهم بأيديهم.

انتهى الحال بحرب البسوس، وقتال دام قرابة الخمسة عقود، مات فيه أبطال الملاحم في تاريخ العرب كليب والمهلهل وهمام وجساس، وسقط الملك، وضعفت القبائل، وعادوا إلى المذلة والتبعية وركوب العار والتخلي عن سيوفهم وخيولهم، وما أحقر الصراع وأتفهه آنفًا كل هؤلاء الرجال قتلوا، وهذه القبائل العريقة ضعفت، وذل نسائها وسبيهن، وجاع أطفالها واستعبدوا… إلخ من مآس من أجل ناقة البسوس.

المعضلات التي واجهت ملك كليب

إن الطامة الكبرى التي واجهت ملك كليب هي حكمه لأناس اعتادوا على البداوة، وعدم النظام، وعلى البحث على المجد الشخصي، والسعي إلى تصدر المشهد، ورياسة الأمور دون معرفتهم بقواعد الملك أو احترام سيادة المسئول، والعقل المدبر لأمور الدولة، فهم لم يدأبوا على احترام النظام، إنما دأبوا على احترام رغباتهم وطباعهم فقط.

كليب أيضًا يتحمل مسؤولية الفوضى التي نشأت جراء حكمه لأنه أراد الاستبداد المطلق في حكم قومه دون تهيئتهم على ماهية الملك والإمارة، وكيفية أن يكون هناك حاكم على رؤوسهم يجب عليهم احترام سيادته، وعدم مخالفته.

ومن ثم ثارت نفوس القوم لأن الجميع افتقد إلى الاحتواء النفسي على مستوى الحاكم وعلى مستوى الرعية، وصار نظام الحكم مطمعًا للقبائل، والفرسان تطلعت للقصور والإمارة، وأصبحت الرغبة والنية المبيتة لا كيف يتم توسعة الملك، أو ضم القبائل، أو تطوير الجندية، أو تدبير الاقتصاد كما ينبغي للدول وإنما ماهية التخلص من كليب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات