«كيف يمكن أن تصبح خمس دول 14 دولة؟»

كان هذا عنوانًا قبل سنوات لصحيفة «نيويورك تايمز الأمريكية»، التي سبقتها خرائط مماثلة من مراكز أبحاث ومؤسسات سياسية غربية، اشتركت في نظرة استشراقية تُقسِّم المجتمع على أُسس الطائفية والعرق. فبعيدًا عن نظرية المؤامرة، لا يختلف اثنان في أنّ وطننا العربي مستهدف منذ عقود؛ لما فيه من مؤهلات جيوسياسية تُسيل لعاب اللاعبين الكبار في العالم.

لم يكن وراء الخروج الكبير في 2011 ممّا عُرف بالربيع العربي آنذاك صراعات فكر أو دين؛ بل كان خروج مدفوعًا بالفقر والظلم والضيق، فحُمل شعارًا لفَّ البلدان الثائرة «الشعب يريد إسقاط النظام»، لكنَّ ما يسري في البلدان حاليًّا بلور في أذهان كثيرين أنَّ مخططًا جرى إعداده في مكاتب الغرب المغلقة، يعمدون من ورائه إلى دويلات عربية، يسعون من خلاله إلى إضعاف من هم في وضع الضعف أصلًا.

كما يرى محللون بعد مرور أكثر من 100 عام على اتفاقية سايكس بيكو «1916» التي قادت في النهاية إلى التقسيم المعروف للمنطقة، لا تزال الخرائط الملونة ترسم من جديد، وكأن العرب سُكانًا ومدنًا ومؤسسات خُطَّت على رمل، أو أن مشكلاتهم تحتاج تغيير جوازات السفر، وحدودهم تحتاج أن تضيق. مَدعى هذا الحديث خريطة أمريكية، أوردها تقريرٌ لصحفية «جارديان» البريطانية، أنَّ مسئولًا أمريكيًّا عرض خريطة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول على أساس أقاليمها الثلاثة القديمة، طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب؛ التقرير الذي اشترك فيه «جوليان برجر» من الولايات المتحدة، و«ستيفاني كيرشغاسنر» من إيطاليا حسب «هافينجتون بوست».

كشف أنَّ مسئولًا كبيرًا في البيت الأبيض مكلف بالسياسة الخارجية، رسم أمام دبلوماسي أوروبي خريطة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول، لم تكشف الصحيفة عن هوية المسئول الأوروبي، ولكنها بينت أنَّ «سيباستيان جوركا» مساعد الرئيس «دونالد ترامب»، هو المسئول الأمريكي الذي اقترح تقسيم ليبيا، قبل أسابيع من تنصيب «ترامب» رئيسًا في 20 يناير الماضي. «جارديان» نقلت عن مصدر – لم تسمه -، لكنَّها قالت إنَّه على علم بالموضوع، وإنَّ الدبلوماسي الأوروبي رد على «جوركا» بأنَّ التقسيم هو أسوأ حل يمكن تصوره في ليبيا. وعلى غرار ليبيا، فإنّ الحديث عن تقسيم دول عربية إلى دويلات صغيرة ليس جديدًا، بل تعلَّق أكثر بمصطلح أمريكي «الشرق الأوسط الجديد»؛ الذي تُسوِّق له واشنطن منذ 2006، حيث أطلقت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «جونداليزا رايس» وهي في زيارةٍ إلى تل أبيب، وذلك تزامنًا مع الحصار الإسرائيلي للبنان، كما أطلقت وصف «الفوضى الخلاّقة» إبّان احتلال العراق. محللون اعتبروا أنَّ هذا الإعلان كان بمثابة تأكيد لـخارطة الطريق العسكرية في الشرق الأوسط بالاتفاق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل؛ وذلك بهدف خلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى تمتد من لبنان وفلسطين وسوريا إلى العراق والخليج وإيران، وحتى أفغانستان في العام نفسه، عرض الخبير العسكري الأمريكي «رالف بيترس» حدودًا للشرق الأوسط رأى أنَّها عادلة في مقالة بعنوان «الحدود الدموية.. كيف يمكن رؤية الشرق الأوسط بشكل أفضل؟»، نُشرت في العدد السادس من المجلة العسكرية الأمريكية، تضمَّنت خريطة جديدة للمنطقة مفصلة على أساس عرقي ومذهبي، موضحة التقسيم.

هذا المصطلح عكس جانبين: الأول أن الوقت حان لإجراء عملية تغيير شاملة لمنطقة الشرق الأوسط، والثاني أنَّ رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد سيكون مفتاحٌ لتحقيق ما يعتقد أنَّه استقرار سياسي واجتماعي يضمن المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة وفي صدارتها النفط. بدأ رسم الخرائط الجديدة للشرق الأوسط في بداية الثمانينيات مع مشروع دولة إسرائيل الكبرى للمنُظّر الإسرائيلي «أودد ينون»، وكان الهدف خلق بلدان ذات طوائف صغيرة، تدين بالولاء لإسرائيل.

ختامًا وفي معرض حديثنا عن التقسيم، فإنّ العالم العربي بثرواته الاستراتيجية، يشبه الكعكة في نظر الغرب، ولو امتلكنا أجهزة رادار صوتية دقيقة لسمعنا رؤساءهم يقولون: «الحقوا هذه الكعكة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد