إن الموت بلا شك هو أعظم حقيقة في حياتنا الدنيا، وللموت رهبة وإجلال كبير في النفس الإنسانية، ولكننا في حقيقة الأمر لا نعلم أين يذهب أقاربنا وأحبابنا بعد الموت، لا نستطيع أن نعلم مكانة كل إنسان عند رب العالمين، صحيح يمكننا أن نضع استنتاجاتنا الخاصة واعتقادتنا التي نؤمن بها، ولكن من المحال أن نكون على علم بمفاتيح الغيب، وكيف نعلم وأسرارها عند مليك مقتدر.

لقد هالني في الأيام الماضية سيل الكتابات التي تدعي العلم اللدني على تويتر وفيس بوك، حيث أدلى كل شخص بدلوه في تفكيك شفرات الموت وكشف أسرار البعث إذا اقتضى الأمر، وتصاعدت المعارك والشحناء بسبب قتل نفس إنسان أو انتحارها كما يتداول في الإعلام، لقد فتحت سارة حجازي النار المشتعل بين جميع الأطراف وأظهرت كم الرماد المتخفي تحت الركام، لقد اتضح لنا بشكل جلي أن مدعي الثورية ذوي قلوب مشتتة، وكذلك ظهر مدعي الليبرالية أمام أنفسهم في مرآة كبيرة وهم يفندون الدلائل والبراهين لإثبات أن الإسلاميين إرهابيين ورجعيين، بل ومحاولة إلصاق تهم القتل ببعضهم دونى أدنى ضمير أو خوف من الله تعالى الذي سنقف أمامه جميعًا بعد الموت، ولم يختلف مدعي العلمانية هنا عن النظام العسكري في أي شيء، فالعلمانيين يستكملون مسيرة الحاكم العسكري في التنكيل بكل الإخوان ومؤيديهم، ورغم أن هناك جمهورًا من المتدينين المتطرفين يظهر بوضوح على السطح، ولكن يبقى في النهاية هذا القطاع مجرد أفراد تتكلم بصوت عالي والبعض الآخر يجهل كثير من القيم الإسلامية، ولكنهم ليسوا قتلة أو فجرة لأنهم في نهاية المطاف ليسوا سوى فئات من العوام والمتفرجين، وهم يتعلمون ويحاولون مرارًا وتكرارًا.

أما الطامة الكبرى فهم المشاهير ودقاقو الطبول، وبعض من يطلق عليهم الناشطون السياسيون والمتعجرفون والمخرفون، في هؤلاء جميعًا تكمن الكارثة لقد انقسم هؤلاء بين من يقدس سارة حجازي ويترحم ليلاً نهارًا عليها وذلك فقط لاستفزاز بعض خصومهم من الإخوان أو السلفيين وتوجيه اللوم والسباب لهم واتهامهم بالتخلف والجهل والدونية، والفريق الآخر حدد مكانة سارة حجازي بأنها في النار خالدة، لأنها انتحرت وكأنهم كانوا معها وهي تموت، والغريب أن تلك الفئة بدأت تكيل الاتهامات ليس فقط لخصومهم من الجناح العلماني أصبحوا يكيلون الاتهامات أيضًا لبعض رموز الإسلاميين، بل والتطاول بالسباب واللعنات على بعض الشيوخ المعروفين بالشفافية والصدق لمجرد أنهم أشاروا علينا بألا نصدر الأحكام على الموتى خاصة إذا كنا على غير دراية ببواطن الأمور.

إن حادثة سارة حجازي التي لا نعلم حقيقتها أزاحت الستار عنا لنرى حقيقتنا بأننا يستحيل أن نكون متحدين وكل هذا الغل والحقد في أنفسنا.

من الطبيعي فهم أصدقاء سارة حجازي المقربين في حزنهم الشديد عليها وتمجيدهم لها لأنهم يعرفونها، ولكن من الصعب فهم السائرين خلف أصدقائها لمجرد ركوب تلك الموجة، ورغم تساقط آلاف الشهداء كل يوم في مصر وجميع الدول العربية وآلاف مثلهم من المعتقلين والمعذبين في السجون، فإن سارة ليست وحدها الضحية، فإن هناك من انتهت حياتهم بنفس الطريقة وأشهر مثال يتضح بشدة لأحد الرموز الشهيرة التي أشيع عنها الانتحار وهي الفنانة سعاد حسني، وكشفت بعض برامج الإعلام التليفزيونية في ذلك الوقت إنها قتلت مع سبق الإصرار والترصد وكان أشهر إعلامي تناول تلك القضية في تلك الفترة هو الفنان سمير صبري، حيث سافر لندن وكشف لنا بعض الطلاسم والأسرار عن حياتها والحي الذي كانت تقطن فيه.

إن قضية سارة حجازي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكن تلك الواقعة اختلفت فقط في تعرية النخب السياسية للمرة الألف بشكل مقزز وفج، وأوضحت بما لا يدع معه مجال للشك أن هناك مجموعات نخبوية تافهة وسفيهة تحاول استقطاب جموع الناس إلى معارك جانبية وصراعات أيدلوجية ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، والخاسر الحقيقي في كل تلك المعارك هو الشعب الذي يسير وراء أي شيء وكل شيء فهمومنا أصبحت كالجبال وأحزاننا لا تنتهي وناقوس الخطر يدق على باب مصر ينذرنا بامتلاء سد النهضة الأثيوبي وضياع نهر النيل، وبوار الأراض الزراعية.

ونحن نهرب من الكرب والمصائب لنسقط مع نخب سياسية عمياء تتحدث في قضايا دينية وأيدلوجية وتكيل لمجتمعنا البسيط الغلبان بأنه جاهل وغير متحرر ومتمسك بمباديء متهالكة، إنه مجتمع في نظرهم موضة قديمة old fashion.

يذكرني الأسلوب المتكبر التي تتخاطب به بعض النخب السياسية العلمانية مع المتدينين البسطاء برائعة الكاتب الكبير يحيى حقي في رواية قنديل أم هاشم، الذي تناولته السينما المصرية بشكل رائع حيث ظهر البطل شكري سرحان في ثوب الدكتور المصري العائد من ألمانيا بعد دراسة الطب، المتأفف من العادات الشعبية في حي السيدة زينب بالقاهرة، لقد كان شديد الوقاحة والعنجهية وهو يخاطب الناس ويلومهم على جهلهم ومبادئهم المتخلفة، ورغم أنه كان يحاول أن يدعم ابنة عمه فاطمة ليعود إليها بصرها إلا أنه كان متعجرفًا ومتطرفًا في أسلوبه وتعامله مع أهل الحي، ونسي في غمرة الأحداث أصله فهذا هو المكان الذي تربى وكبر فيه، وتتوالى الأحداث ويعرف في النهاية أن علاقته الطيبة بالناس ودعمهم النفسي والمعنوي هو جوهر مشكلات الحي وأساسها، فلا يكفي العلم والدواء لعلاج أمراض العيون المستعصية بل من الإلزام الدعم النفسي والروحي قبل الدعم العلمي والمادي، ذلك هو المغزى وتلك هي الرسالة لكل جاهل أعمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سارة حجازي, موت

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد