من الآثار الأدبية التي خلفتها أعمال الكُتاب، خاصة في فرنسا، رواية «آخر يوم لمحكوم بالموت» لفكتور هوجو، والتي كانت من نوع – المونودراما – أي الرواية التي تجري كافة أحداثها في فلك شخص واحد. وتتحدث الرواية التي ألفها صاحبها عام 1826 عن عقوبة الموت – الإعدام، وقد كتبها العظيم «هوجو» في 24 ساعة بِناءً على رهان كان بينه وبين صديقه! وكان في السابعة والعشرين من عمره.

ومن المُلفت أنه لم يذكر في الرواية جريمة البطل التي اقترفها فأودت بحياته إلى المقصلة، وإنما دارت الرواية حول شعوره حيال أنه سيفارق الحياة، تاركًا وراءه طفلة في الثلاث سنوات من عمرها بعد بضعة أيام.

هذه الرواية إلى جانب الأعمال الشعرية لفكتور هوجو ومقالاته، كانت من أكثر الأعمال المُنددة بعقوبة الموت – الإعدام، والتي كانت أحيانًا تُطبق على أتفه الأسباب، وكانت وسيلتها المقصلة، أو بالأحرى كما يسمونها بالفرنسية: «غيوتين»، وأطلق عليها ذلك الاسم أثناء الثورة الفرنسية التي دعت إلى المساواة والحرية والإخاء، فدعت إلى المساواة حتى في الأحكام والعقوبات! فاقترح الدكتور غيوتان باستخدام المقصلة لكي تصبح الوسيلة الأمثل للحكم بالموت على كل المُذنبين باختلاف شرائحهم الاجتماعية[1]، حيث كان قبل ذلك لكل طبقة وسيلة مختلفة في الحكم. وهناك سبب آخر جعل الثورة الفرنسية تعتمد تلك الوسيلة، وهي أن المقصلة أسرع وأفضل وأقل ألمًا![2] وقد تتعجب وتقول: كيف عرف – هؤلاء – أن المقصلة أقل ألمًا، هل عاد لويس السادس عشر من موته ليشكرهم على ذلك الاقتراح العظيم؟

نبذة سريعة عن تاريخية الحكم بالموت – الإعدام

لو اطلعنا على بريطانيا في عهد «هنري الثاني» في القرن السادس عشر سنجد أن معدل إصدار الحكم سنويًا بلغ الألفين، أما في عهد اليزابيث الأولى في القرن السابع عشر نجد أنه انخفض إلى 500 سنويًا[3]، وقد بدأت الأصوات الداعية بإلغاء ذلك الحكم تعلو لأنه على عكس المتوقع لا يكبت جماح الجريمة، وإنما يزيدها مع الأوضاع الاقتصادية وتدني الأخلاق، وكان الإعدام لا يُطبق على جريمة القتل أو الخيانة العُظمى فحسب، فأحيانًا ما كان يُطبق على السرقة، إن سرقت شيئًا يتعلق بالطبقة المالكة تُقتل، أما إذا كان يتعلق بأي شيء آخر فالعمل الشاق والتجديف في البحار لبقية حياتك أو لفترة حكم محدودة[4]، وكذلك في بعض الولايات الجنوبية بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عهد قريب، كان يُطبق الحكم على الزنوج دون البيض، إذا ما اغتصب أحد الزنج امرأة بيضاء فمصيره القتل[5]، أما في الاتحاد السوفيتي عام 1947 أُلغي ذلك الحكم، إلا فيما يمس الثورة ورموزها خاصة الزعيم «ستالين»[6]، وكان قبل ذلك في بريطانيا عام 1868 محاولة لإلغاء ذلك الحكم، حتى أن جريدة «التايمز» كتبت في 14 أغسطس (آب) من العام نفسه: «إننا لا نرجو أن يُقرأ في الزمان الآتي كيف التقى في ليلة التنفيذ تحت ظل المشنقة آلاف من أحط أوغاد الإنجليز؛ من نساء سائبات ورجال أشقياء عتاة لقضاء الليلة العتيدة في سكر وعربدة ومجون سافل دنيء، وكيف صفقوا للجلاد، وكيف استقبلوا المحكوم بالهتاف والتهليل، وكيف صاروا يرتكبون تحت أقدام المشنقة من الموبقات ما لا يقل شناعة وفظاعة عن الذنب الذي اجتمعوا ليشهدوا تكفير مقترفه عنه، يفعلون ذلك بحرية عجيبة لا تطالها يدُ القانون»[7].

حتى كان في عام 1930 أن تم إلغاء ذلك الحكم نهائيًا من قِبل لجنة التشريع في مجلس العموم البريطاني، ونذكر هنا عبارة الروائي الإنكليزي الخالد «تشارلز ديكنز» والذي كان منددًا بتلك العقوبة كـهوجو في فرنسا: «تكتنف عقوبةُ الموت فتنة تجتذب إليها خيار الناس وشرارهم على حدٍ سواء، بسبب المراسيم والمظاهر المتعلقة بها وبالأشرار الذين تنتظرهم، أو توقع بهم فتنتها أشد الناس عزمًا وأمتنهم خلقًا»[8].

ونود الإشارة إلى تلك السعادة التي كانت تُصاحب سكان أوروبا عند تهافتهم وتلاحقهم لمشاهدة إنزال العقوبة – القتل – بأحد المُذنبين، واجتماعهم وحجزهم للكراسي والمقاعد التي يوفرها لهم أصحاب الدكاكين لمشاهدة المجرم وقد تدلت قدماه ساعة الشنق، ليتأرجح يمينًا ويسارًا أمامهم، أو عند نزول المقصلة الحادة مثلثة الشفرة لتخترق جلد رقبته ممزقة لعروقه ومحطمة لعظامه في أقل من نصف ثانية، حتى تتهاوى رقبته أمام الحاضرين، وهذا الأمر الذي صار مألوفًا لدى الشعب الأوروبي فيما مضى نتاج عن سطوة الكنيسة التي أبعدت الأوروبيين كل البُعد عن الفطرة الإنسانية السليمة التي دعت إليها الديانة المسيحية، وهذا ما يؤكده المؤرخ «ول ديورانت» في كتابه قصة الحضارة فيقول:

«لكن ربما كانت الإجراءات الصارمة لازمة لغزو العقول المتحجرة أو المتبلدة، وكان التعذيب والموت عقوبة الخيانة العظمى، وكان الشنق عقوبة القتل أو الجناية أو تزييف العملة، وكانت الزوجة التي تقتل زوجها تُحّرق حية، أما السرقات الخفيفة فكانت عقوبتها الجلد، أو قطع إحدى الأذنين، وضرب أي فرد من حاشية الملك يُعاقب بقطع اليد اليُمنى، أما التزوير والخداع وغش الموازين والمقاييس فكانت عقوبتها التعذيب في المشهرة، أحيانًا مع دق الأذنين كلتيهما بالمسامير في آلة التعذيب، أو ثقب اللسان بقضيب من الحديد المحمي وكان الناس عادة يستمتعون بمشاهدة مثل هذه العقوبات ويحتشدون وكأنهم في يوم عطلة ليشهدوا سجينًا على حبل المشنقة»[9].

الأثر الواضح في فرنسا

ولنعود إلى الرواية ونقول: أنه لما صدرت هذه التُحفة الفنية دوى صوت الشاعر العظيم «لامارتين» في مجلس الشيوخ الفرنسي منددًا بهذه العقوبة، وكان «لامارتين» من أكبر الداعمين لهوجو، خاصة بعد روايته التي تلت هذه الرواية وهي «أحدب نوتردام» حتى قال واصفًا فكتور هوجو: شكسبير الرواية[10].

ومن أهم آثارها أن استجاب لها «مسيو غريفي»، حيث قام بإلغاء ذلك الحكم مؤقتًا، إلى أن أُلغي تمامًا في عام 1955 مقتصرًا على من يقتل شرطيًا[11]، وأضاف مترجم الرواية إلى العربية السيد «جرجيس فتح الله» أن آخر ما قد يُفكر فيه المجرم قبل الإقبال على جريمته هي العقوبة التي ستنزل به، ولذلك لابد من التعامل مع المجرم على أنه مريض يحتاج إلى السجن، وليس القتل حتى يتم علاجه[12].

ومن الآثار المترتبة على صدور تلك الرواية عام 1826 أنه في عام 1833 تم هدم مقبرة «سان مارفيل فوبو»، حيث كان يُدفن فيها المجرمون والمذنبون وأبناء السبيل كذلك، وبُني على ركامها معهد للتشريح[13].

فقد آمن «فكتور هوجو» أنك لو فتحت مدرسة أو أي سبيل للعلم، أغلقت أمامه سجنًا وأنقذت نفسًا، فله كل الحق في أن يزدهي بنفسه ويقول: «أنا من ألبست الأدب الفرنسي القبعة الحمراء».. أي قبعة الجمال.

الخلاصة:

في النهاية نود أن نطرح السؤال الأهم: هل سيأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه مجتمعاتنا العربية بأنظمتها السياسية تُبادر إلى غلق السجون وفتح المدارس ودور العلام، أم أن الطريق لم يزل طويلًا، فهناك دول تتفنن في بناء السجون واعتقال الأشخاص، لنجد في النهاية أن أغلب تلك الدول تُعاني من نقص في نسبة المدارس وانحطاط التعليم، وفي نفس الوقت تكثر فيها السجون والجرائم، ثم يأتي المحللون ليطرحوا السؤال عن السبب وراء تلك المفارقة.. والعجيب أنهم لا يجدون الجواب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد