لم يعلُ أحد كما علا هو، ولم يطُل أحد كما طال هو، ولم يتجدد أحد كما تجدد هو، ولم يثر أحد من البشائر والمخاوف طيلة العقدين الآخرين فى تاريخ الجزائر السياسي الحديث كما أثارت سيرته هو وما زالت تثير، إنه الدبلوماسي الجزائري والسياسي الأشهر، فقد ارتبط وجهه واسمه وخرجاته الإعلامية بتواقيت حرجة وأخرى مصيرية، كارهوه يقولون إنه الشخص المثير للجدل وإنه الرجل الخاطئ في الزمن الموبوء، وعاشقوه يقولون إنه رجل الدولة المهاب وإنما قدره فقط من حمله في دوامة تغيرات راديكالية صعودًا من مطالع التسعينيات إلى مطالع الألفين وسبعة عشر، هذا بمروره مسارات متشابكة وأخرى استثنائية لكنه في جميع المسارات كان المختار وظل للبنائين خلف الظلال معول للقصور الرملية فيما تلا زمن الجبهات الثلاثة، واضعين بين يده الإمكانيات والفعل السياسي والتنفيذ والتشريع والتفكير، على الأقل فيما يعرفه الآخرون وفيما يحاسبونه عنه كثيرًا.

قدره ذاته حمله فيما يسميه أعداؤه أيضًا بالنظام السياسي الانقلابي على الجبهات الثلاثة فأمسكه مسكة عزيز مقتدر واضعًا إياه في أعلى عليين، ولقد أهَّله حظه قليلًا وبعض من ذكائه مكنه أيضا -بوضوح التسمية وأمام الجميع- في القول والجهد والمراوغات، والأخص تلك العبقرية في إيجاد مكانه الاستثنائي في حبل الموائمات السياسوعسكرية التي مكنته أن يكون كما كان، وأن يستمر فيما هو آت كما هو مستمر.

ولعله الرجل الذكي الذي عرف لعبة السياسية فأتقنها واستمر فيها محافظًا على توازنات ومصالح وأسماء وسير في وسط سياسي جزائري يرغمك على فعلة البقاء قيد التوازنات، ومند البدايات حمل دنياه وأحلامه كما الظل العابر لا يأبه بالأسوار والأحراش والسدود، فانسحب خفيفًا خفيفًا وضرب ثقيلًا ثقيلًا، وراح صوب عوالم جديدة كانت متاحة قليلًا عندما ترك الجميع المقاعد واكتفوا بالطوابير الخلفية، فجاء مفتتحًا أبوابًا لم يكن بداخلها سكان وقرأ أوراقًا لم تجد لسانًا ليقرأها، وقال وصال وجال لكنه بقي طوال تجاربه «الوطني الجزائري» كما يقول عشاقه وبقي أيضا بوق النظام بلغته الجميلة وشبابه الذي كان كما يقول أقسى معارضيه بأنه (لا يصدق شيء اسمه الديمقراطية).

وأحمد أويحي لمن لا يعرفه إطار جزائري من الكوكبة اللغز، أو ما تُعرَفُ إعلاميًّا «بدفعة 1975 للمدرسة الوطنية للإدارة» وهي الدفعة التي لم يستثن واحد من خريجيها إلا ونال حظًا وفيرًا في السياسة والإدارة والمسؤوليات، ففي الحقيقة هي الدفعة الحاكمة لما بعد زمن الجبهات الثلاثة، هي نخبة النخبة التي أريد لها بعد عشرين سنة على الأقل من ذلك التخرج العادي أن تعتلي أعلى هرم ظل السلطة.

هو كان عند البداية موظف بالدوام اليومي بمديرية وزارة الخارجية للشؤون الأفريقية في زمن تسعيني، بالكاد كان يأكل أحمد أويحي أولى أعوامه المهنية ليصير إطارًا ساميًا بدأ بالإدارة والحكومة ولاحقًا في رئاسة الحكومة، وما تلا ذلك العلو الكبير ليصير كما تعرفه الجزائر بترهيبه، وتبشيره وسيجاره، ولغته الفصحى والبربرية والدارجة، لقد استطاع أحمد أويحي رغم الداء والأعداء كما يقول عاشقوه وبتواطؤ الانقلابيين كما يقول كارهوه أن يصير ما هو الآن.

أهم أزمنته من سيرته مروره الذي سجله أيام خدمته العسكرية برئاسة الجمهورية، وكان مرورًا أهَّله أن يستفيد بذكائه من سلطة بناء الوطن وتقدمه فيما يراه هو، والغريب في سيرة هذا السياسي الجزائري ليست توليه المناصب والمسؤوليات، بل إن الغرابة تكمن في سيرته ذاتها وفى سطوة بقائه الطويل والمستمر المستميت عبر الأعوام والأزمات، وفي الفوضى والإشكاليات وبين المحن والعثرات كما هو هو، وكان قبل علوه قد أبهر كارهيه الذين يصرون على توصيفه بوجه المخابرات الجزائرية المدني في نسختها المشكلة زمن الشبح المقال، والذي كان مؤهله لما أهل له، ومكونه لما كون له ليغدو واحدًا من المفاتيح السرية لدى الرعيل الجديد بموافقات سياسية ووطنية لعسكريين وساسة وآخرين لا نعلمهم، بل انه أنجح مفاتيح ذلك الرعيل التي استطاعت ببراعة ومهنية وقدرة عالية على التكيف والتصبر وإعادة التكيف مع الظروف والتطورات كانت في أحايين قاتلة وتنبأ بجز الرؤوس السياسية، لكنه كان في كل مرة يخرج من عجين الأزمة كالشعرة الرهيفة.

لقد صدق الذين أعدوه لما هو آت في طوالع الكف الجزائرية حينذاك، عند بدأ ظلالها والسحرة تتضح وسلطة جديدة بدأت تتمكن مع منتصف تسعينيات القرن المنصرم.

عاشقوه كثر مثلما نجوم الفن والموسيقي يقولون إنه رجل الدولة الأوحد والأهم لا تزحزحه عاصفة ولا يخيفه إرهاب، وهو الكائن السياسي القابل للتأقلم مع ما تريده الجمهورية وما يريده الأرباب، عاشقوه يرون فيه المنقذ المنتظر للجمهورية الجديدة في شكلها المدني الموعود، فلا مناص لكرسي الرئاسة الجزائرية منه عاجلًا أو آجلًا، فهو السياسي الجزائري الأكفأ عندهم.

كارهوه يرون في نهاية حتمية للمغامرة بعد تغيرات رديكالية، لعل ما يسمى بالربيع العربي والربيع المضاد أخطرهما على الرجل.

أحمد أويحي وصف ذات يوم أنه رجل المهمات القذرة، ولأن المهام القذرة كثيرة في السياسة والصحافة والاقتصاد فإن أحمد أويحي على الأقل يملك الشجاعة الأدبية والكلام الجريء فيما يختبئ الآخرون خلف الأيام.

ــــ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد