عندما أطلّ المفكّر الكبير لويس عوض في مقابلة تلفزيونية أواخر الثمانينات، سألته مقدّمة البرنامج في آخر الحلقة عن آخر كلمة ربّما يقولها لويس عوض، فرفع رأسه قليلًا وبدا واجم الوجه وهو يقول: أنقذوا ما تبقّى من شرف النقد العربي. إنّ صيحة الفزع التي أطلقها عوض لم تكن وليدة حالة مزاجية، بقدر ما كانت فراسة مفكّر كبير، تلمّس إصابة مؤسسة النقد العربي في مقتل. فكان وما يزال النقد يحتضر، إن لم يكن قد مات إكلينيكيا. وعلى الرغم من محاولات البعض العودة بالنقد إلى الصفّ الأمامي، إلاّ أنّها كانت محاولات ميكانيكية أكثر منها إبستمولوجية. وفي معرض حديثنا عن النقد تأتي الكاتبة والناقدة التونسية المتميزة فاطمة بن محمود لتستقلّ قاطرة مختلفة عن سابقيها، وتحاول من موقعها إعادة ترميم مؤسسة النقد من خلال رصيدها الموسوعي وانفتاحها على مختلف النتاجات الأدبية في العالم العربي والعالم.

في البداية، يقول أندريه مونروا: من حقّك أن تعتمد مصطلحات عديدة، لكن بشرط أن تعرّفها لنا. ولهذا ارتأينا قبل الغوص في موضوع مقالنا حول مجهودات الناقدة القديرة فاطمة بن محمود، التي تذكر فتشكر، أن نعرّف مصطلح النقد، على الرغم من المسحة الاستهلاكية في تعريفه. يقول سيبويه في تعريف النقد: إنّه من نقد ينقد الدينار ينقده بمعنى ميّز زيفه من عدمه. وعند أحمد أمين هو استعراض القطع الأدبية لمعرفة محاسنها ومساوئها، وهو تقدير القطعة الفنية ومعرفة قيمتها ودرجتها في الفن، سواء أكانت القطعة أدبًا أم تصويرًا أم موسيقى. أما عند محمد مصايف فهو تبصير الأدب بأخطائه وحسناته وتنبيهه إلى ما يقع حوله من أحداث وتوجيهه إلى أن يقف في جانب الحق والخير وفق مذاهب ومدارس أدبية. وعند خالد يوسف هو تمييز جيد القطعة الأدبية من رديئها، وفصل محاسنها عن عيوبه سواء أكانت نثرًا أم شعرًا، ثم تقديرها حق قدرها ومعرفة قيمتها وإنزالها منزلتها ودرجتها في الأدب بما هو البحث عن الحقيقة بصبر ونزاهة، تقدم بعدها الحقيقة لكل متعطش واضحة جلية لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من أمامها. طبعًا التعريفات عديدة وتتجاوز الحاجز التاريخي، فالنقد مرتبط بالأدب ارتباط حبل السرّة بالجنين، أما عن نشأة النقد تاريخيًّا، فقد عرف مراحل ومحطّات كرونولوجية عديدة، قد نستعرض أهمّها سريعًا.

أولًا: مرحلة النقد التقليدي الكلاسيكي ويعرف أيضًا بالمحافظ؛ إذ صاحبت هذه المرحلة عهد الأحياء؛ إذ سمي شعراء هذه الفترة وكتابها بأدباء الاتجاه المحافظ.

ثانيًا: مرحلة النقد التأثري، وقد امتدت من أوائل الحرب العالمية الأولى حتّى أوائل الحرب العالمية الثانية، ويقوم على الخيال، وتشخيص الطبيعة، وصدق العاطفة، وتعد هذه الأمور من أهم الخصائص والسمات التي يقوم عليها هذا المذهب.

ثالثـًا: مرحلة النقد الواقعي، وتمتد من أوائل الحرب العالمية الثانية إلى أواسط الخمسينيات، من مهامه البحث عن مدى علاقة الآثار الأدبية بالمجتمع العربي.

رابعًا: مرحلة النقد الواقعي الاشتراكي، وجاء بعد انتقال الشعوب العربية من طور تحسن الذات، وتحديد المشاكل الاجتماعية والسياسية التي كانت تعاني منها إلى مرحلة الكفاح الواعي الحقيقي على جميع الجبهات انتقل معها الأدب العربي إلى مرحلة الواقعية الاشتراكية، وكان طبيعيًّا أن ينتقل الناقد بدوره إلى هذه المرحلة.

أما المرحلة الخامسة فقد اختارتها الناقدة فاطمة بن محمود بعيدة عن المحطّات السابقة التي تعنى فقط بالارتكاز على المناهج الأكاديمية في فعل النقد من البنيوية إلى التفكيكية إلى التوليدية، فانزاحت بالنقد إلى عين أخرى ينهل منها ألا وهي البينصية، وهي علامة فارقة في فعل النقد؛ إذ تعمد الناقدة إلى الوقوف بين النصوص، كشرطي المرور الذي ينظّم حركة الجولان، فكانت شرطية السرد الذي ينظّم حركة العبور بين العبارات، فهي كما يصف رولان بارط النقد بأنّه اللغة الثانية، كانت لغة ثانية وثالثة، وهي التي تقول على نفسها حين أنهت مقاربتها النقدية حول رواية أغنية النار للكاتبة السودانية الكبيرة بثينة خضر مكّي: أنا امرأة لا تصلح إلا للكتابة، أكتب أو أكتب عما يكتب، وخارج الكتابة أنا سمكة بلا ماء.

وهي تفاخر بقدرتها على القراءة وما تشكوه ذاتها الناقدة من الإيبرغرافيا أو ما يعرف بنهم الكتابة، فعندما انتهت من قراءة رواية الكاتب اليمني المتميز الغربي عمران مقتل بائع الكتب قالت: قرأت الرواية في يوم واحد وكتبت مقاربتي في ثلاثة أيام انتهيت منها اللحظة. فاللحظة عندها تتجاوز الفاصلة الزمنية لتحوم حول اللازمان، فالمقاربة النقدية عندها هي معركة محتدمة الوسيط يمتزج فيها النفسي بالسوسيولوجي، والذاتي بالمورفولوجي، والموضوعي بالأنطولوجي، إنّ فعل النقد عند الكاتبة والناقدة فاطمة بن محمود هو رؤيا، والرؤيا بطبيعة الحال قفزة خارج المفهومات السائدة، تقول مخاطبة كلّ شيء: أدبيًا، لا توجد مواضيع انتهى وقتها وأخرى لم يحن بعد وقتها. كل موضوع يمكن أن يكتب روائيًا، فقط حرفية الروائي وموهبته هي التي تحدد وجاهة أو تفاهة الموضوع. هناك من يجترح مواضيعه الروائية من التاريخ، وهناك من يذهب إلى المستقبل، ويكتب بجوارحه وهناك من يغوص في واقعه وينتبه إلى مواضيع كثيرة نتعثر بها ولا ننتبه لها. ويبقى السؤال: كيف نعالج هذا الموضوع أدبيًّا وننجح في إقناع القارئ به؟ هذا هو المشكل.

إنّ الكاتبة والناقدة العربية فاطمة بن محمود تجاوزت البعد الأركيولوجي في فعل النقد، فقد هجرت فيما يبدو معاول الحفر الكلاسيكية، واجترحت لنفسها معاول جديدة تجمع بين الأنتليجنسيا والبساطة في آن واحد، فكانت ناقدة تكتب وكاتبة تنقد، فهل تنقذ فاطمة بن محمود شرف النقد العربي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد