شخصيا لا أحبّذ الانطلاق من مسّلمات مرجعية، لكن إذا سلّمنا عقولنا للمعاجم والقواميس اللغوية للبحث عن مدلول المنهج الدلالي النقدي، فإننا نجد أنفسنا أمام نسيج متشابك من الدلالات اللغوية التي تحيل على الخطة والطريقة الفكرية في تقويم الأعمال باعتبار أنّ النقد هو اللغة الثانية في النص بحسب عبارة «رولان بارط». وهذا يعني  أن المنهج النقدي عبارة عن خطة واضحة المعالم من المدخلات والمخرجات، وهو أيضا عبارة عن بناء استراتيجي داخل الخريطة الفكرية، حيث الخطوات والمراقي تنطلق من البداية نحو النهاية في طريق واضح ومباشر. ونقصد بالمنهج النقدي في مجال الأدب وخاصّة القصّة القصيرة – موضوع بحثنا في هذا المقال –  ذلك المنهاج الذّي  يتّبعه الناقد في قراءة العمل الإبداعي والفني قصد استكناه دلالاته وبنياته الجمالية والشكلية عبر طرح الاستشكال بغضّ النظر عن الإجابة عنه من عدمها. ويعتمد المنهج النقدي على التصور النظري والتحليل النصي التطبيقي المباشر. ويعني هذا أن الناقد يحدد مجموعة من النظريات النقدية والأدبية ومنطلقاتها الفلسفية  والأنطولوجية والإبستمولوجية، ويختزلها في فرضيات ومعطيات أو مسلمات، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التحليل النصي والتطبيق الإجرائي ليستخلص مجموعة من النتائج والخلاصات التركيبية تكون في شكل أطروحات نقدية قابلة للتشكّل اللغوي.

وفي هذا الإطار تتنزّل أقاصيص رئيس المنتدى العربي علي الدوعاجي للفكر والأدب، القاص عماد عبد الكريم، الذي اختار أن يولّي وجهه شطر مقام الفلسفة، فاستحقّ عن جدارة لقب فيلسوف القصّة وقاصّ الفلسفة. فالمتمعّن في أقاصيص عبد الكريم وخاصّة «سفر الخطاب»، «ولادة قيصرية»، «مصير في خبر كان» يتلمّس النزعة النقدية التي بدأ بها الكاتب نفسه في عرض أقصوصاته أمام مرآة السرد النقدي، والنقد السردي، لا سيما وأنّ المرآة في المدوّنة الأدبية تحظى باهتمام منقطع النظير منذ القدم وإلى اليوم. لكنّ عبد الكريم أراد مرآة واحدة فقط هي المرآة العادية التي تنقل كلّ ما يُعرض أمامها بكلّ وضوح دون زيادة أو نقصان، على عكس المرآة المقعّرة التي تحتقر الأشياء أو المرآة المحدّبة التي تضخّم الأشياء. وهذا ما عجّل بولادة شكل جديد في الديلاكتيك النقدي ألا وهو «الميتانقدي» والذي يمثّل ما يشبه المانفستو في أقاصيص عبد الكريم وخاصّة منها «جحا المهندس»، هذه الأقصوصة المثيرة للجدل والتي لا تتجاوز الصفحة ونصف الصفحة، لكنّها كانت عبر ثنائية التكثيف والاختزال أشبه بلعبة «سكرابل» تحتاج منك جهدا مضاعفا ومركّزا حتّى تتمكّن من اقتحامها أبيستمولوجيا وأركيولوجيا.

إنّ بروز عديد المناهج النقدية على غرار  المنهج السياسي المدرسي والمنهج الإقليمي الذي يقسم نتاج الأدب العربي إلى بيئات وأقاليم بل وحتّى إلى جنسيات عبر ما يشبه النزعة الطبوغرافية كأن نقول: أدب عراقي، أدب فلسطيني، أدب جزائري،أدب تونسي … إلخ، لم تدم طويلا أمام المنهج القومي الأدبي الذي يرى أن المجتمع القومي ينفي جميع الفوارق الاصطناعية بين أبناء العروبة على اختلاف بلدانهم وتباعد أنحائهم، كما ينبغي أن ننفي نحن جميع الفوارق الاعتبارية بين آداب أقطارهم العديدة في الماضي والحاضر. ذلك أن الأدب العربي وحدة لا تتجزأ في جميع بلاده بالمغرب والمشرق، لكن الميتانقدي في أقاصيص عبد الكريم قد خلق قضية شكلية لها علاقة بالموضوع، وهي التقسيم النخبوي للمادّة السردية، لذلك اتّهم مرارًا وتكرارًا بأنّه يعاني من ترف لغوي وكتاباته ليست في متناول الجميع، ربّما اتّهم أيضا بالأرستقراطية الأدبية.

 فالميتاسردية عند عبد الكريم  منهج فكري قائم الذات ذو مظاهر فلسفية صرفة قائمة على الوحدة الغوية النقدية بأسسها المشتركة كوحدة التفلسف ووحدة اللغة ووحدة التاريخ  ووحدة الزمكان  ووحدة المصير المشترك. لكن عماد عبد الكريم  سيصدر قريبا مجموعة قصصية بعنوان «جحا المهندس»، وبذلك  قد يقع في تناقض دلالي حسب رأينا المتواضع، حيث سيطبق المنهج الأبستمولوجي السردي الذي اعتبره سابقا في حوار له على قناة «فيرست تي في» مع الإعلامي نزار الشعري  نتاجا للشعوبية الأدبية. وفي نفس الوقت سيطبّق المنهج الإيستيتيقي ونذكر منه الجانب الفني الذي يقسم الأدب العربي حسب الأغراض الفنية أو الفنون والأنواع الأجناسية كما فعل طه حسين في الأدب الجاهلي حينما تحدث عن المدرسة الأوسية في الشعر الجاهلي التي امتدت حتى العصر الإسلامي والأموي.

ختاما، وأنا أكتب هذه الأسطر تذكّرت صيحة الفزع التي أطلقها العملاق «لويس عوض» في مقابلة تلفزية شهيرة أواخر الثمانينيات قال فيها واجم الوجه: أنقذوا ما تبقّى من شرف النقد العربيّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد