مرادفة فعلت ما فعلت في عالمنا العربي السياسي، مرادفة ما تزال طوباوية، أمام المشتغلين فيها سياسيًا وحواريًا، بل وكأنها مرادفة سماوية، لم تفسر تمامًا؛ لتغدو سهلة التوظيف، دون تأويلات، ومتشابهات، وهي في الأصل لاتينية، إغريقية، غابرة.

مرادفة يحمل نيرها الثقيل، الشعب العربي برمته، بقبائله، وطوائفه، وشيعه، وأحزابه، وقد ظهرت منذ قرونه المتأخرة فقط، فأضحت على إثرها شعوب عربية كاملة، ترتسم أمام أحلامها، هذه المرادفة بغرائبية شديدة، فلا الديمقراطية استطاعت أن تستغرق الحالات العربية، ولا الشعوب العربية استطاعت أن تأخذها في دروبها الصحيحة، وبقيت وكأنها بين العطل والفعل، فلم تضف شيئًا على الأقل يُذكر، سوى الإكسسوارات التي تليق بهذه المرادفة.

ولأنها كذلك؛ فقد تشكلت، وتنوعت، وتعددت على مقاسات التجارب، والشعوب العربية، وأنفسهم لم يبدلوا ما يكفي، لتستقر في نهاية تجاربها العربية، القديمة والحديثة، غير مكتملة الوقوف، ظلت عرجاء، عوراء، صماء .

بل وأتعبت تعبًا شديدًا من جرأتها، واشتراطاتها، ومخاطرها، وتهديداتها، التي لا تطاق، هذه الجغرافيات السياسية، والوجوه السيادية، والتحولات السلمية، والدامية في عالمنا العربي الحزين، وبقيت هي المرادفة، فتاة يافعة فلم تكبر، متهورة فلم تعقل عند العرب.

ربما عالمنا العربي لا يريدها أن تكبر، كان لا يريدها، وظل كذلك؛ لتظل هي الصبية المراهقة، والشابة المتهورة، التي تثير من العار أكثر مما تثيره من البهجة. وظلت تحت قيد التربية والتقاليد، والوصاية، والرغبات، والإرادة، والنزوات العربية، بامتياز الماضي، وضحالة الحاضر، وأغلب الظن حزن المستقبل.

بقيت مثل أول مرة اُكتشفت فيها، فلم تشرح جيدًا، أو مثلما يليق الشرح للعقل العربي، الخامر بالتراثيات، والدينيات، والاستراتيجيات الجديدة، وبمقتضيات الديمقراطية، التي أخدها أخدًا من الغربيين؛ لاستكمال بشاشة وجهه الحزين.

لقد كان حري بهذه الشعوب العربية، أن تصنع أسلوب حكمها، وليكن ما يكن تسميته فلا يهم؛ لأنها وقد بقيت كذلك، فلم تعط ما يكفي من الإيمان الأخلاقي، والاجتماعي، والسياسي لاستجلاب كنه أسرارها، كما في البلدان غير العربية، وبقيت مرادفة، في علائقية عربية محرمة، مرادفة في مغازلة، شعبية، وسياسيةـ وأكثرها سياسية، فلم تنته أبدًا بلقاء عربي، قد يكتبه الأسياد عبرة للقادمين، عن ألق التجربة.

عذرًا للديمقراطية على هذه المقاسات، فعندما يتحالف الذين لا يصدقون أنها تستطيع أن تنام على أسرة المجتمع العربي، السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والإعلامية بسلام، فلا يزعجها الإيتاء الإكسسواري، الذي تستجلبه، مند أزمنتها القريبة، وبزوغها، فلم تغن عن عصا التسلط شيئًا، ولم تشبع جوع التشاركية السياسية، ولا التناوب السلمي على كراسي الناس، المترامية، في الجغرافية العربية، الغنية البطن، الفقيرة المحيا.

وعذرًا لها، عندما تسمع الذين لا يترددون، ولو للحظة واحدة، أن يقفزوا من حبل لون سياسي تحزبي، إلى حبل لون سياسي تحزبي آخر، كما الأطفال يقفزون على الحبال شبه القزحية، ويستمرون في قفزاتهم، التي تتجلى في نياباتهم، وأكشاكهم الحزبية، وعلوهم السياسي على الناس، ومنافع أخرى، ودون أن يضيف طول الأمد بهم، لما ينفع الناس، فسحة أمل، أو كسرة رغيف؛ عندها فعذرًا للديمقراطية، لا تحدثهم، ولا تحدث عنهم، انتظر مليًا.

عندما تلمح، وتسمع، وتستمر أيامك القديمة، أو الجديدة، وتتزوج، ويكبر أطفالك الصغار، وترى السنين تتطلع من فسح وجهك، وقوامك، وظلك الآفل، وعندما يبدأ الرد؛ يطلب أصحابه الطاعنين في السنوات، والباقين في أطرهم، وكراسيهم، وأشيائهم النرجسية، الباقين في الهيئات، أو الأمانات العامة، أو الجمعيات الأهلية، والفئوية، أو الإدارات، أو التكليفات البسيطة، أو ما شابه ذلك، أو قل.

لا تزعجهم سُنة الكون، ولا طول الأمد، ولا يوقظهم حزن الناس، وضحالة الأيام، ولا يراسلهم الشعر الأبيض في المفرقين؛ فتراهم يرتمون في التجميل، لمحاربة البيولوجيا، عندها تصير الديمقراطية بحاجة ملحة أن تزأر؛ لأنها رُكّبت كما الحمير في عالمنا العربي.

عذرًا للديمقراطية؛ عندما لا يرون في بذخ لياليها سوى طول التكليف، ولعبة الأصوات المكررة، والزغاريد البائسة؛ لتصير شيئًا من الاعتيادي، الذي لا يأمل فيه خيرًا، فيوظف وكأنه إرثًا أبويًا، أو يزيد، ويرون جلوسهم كمن ثبت بالمسامير، وهم أناء الليل والنهار يرتكبون عذرًا للديمقراطية، ويمارسونه طقسًا، يرونه حسنة، ويؤسسون له نمطًا من الأخلاقيات، والتعبير، والقطاعات الاجتماعية، في قوالب من الإقصاء، والتهميش والمحسوبيات كلها؛ لأن الذين تستشعرهم، كذلك هم نماذج في معاداة الآخر، ومحاباة الآخر، والصمت عن الآخر، وترك مرور الآخر، وتفضيل الآخر، وأحزان أخرى، فعذرًا للديمقراطية! تابع يومياتكم بعيدًا بعيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد