القائل بأن أمن مصر لا يرتبط بالأمن القومي العربي، هو شخص إما لا يعلم الحقائق على أصولها، أو يتجاهل الحقائق المؤكدة؛ فالأمن القومي العربي هو من أمن مصر شئنا أم أبينا، وذلك إما بحكم التاريخ، أو الجغرافيا، أو حتى العوامل الاقتصادية، فما يحدث في ليبيا وفلسطين (قطاع غزة) مثلًا يؤثر بشكل أو بآخر على الأمن المصري.

فها هي الدولة الليبية وما يحدث بها بعد انهيار النظام السياسي للأخ القائد «معمر القذافي»، بعد قيام الثورة الليبية المسيسة في 17 فبراير (شباط) 2011م، ها هو يؤثر على الأمن المصري؛ حيث يتسلل الإرهابيون عبر الحدود المصرية الليبية، بالأشخاص والأسلحة، ويمدون أعوانهم بالعتاد بما يسمح لهم بالاستمرار في معاركهم ضد الدولة المصرية، وبين اليوم والآخر نسمع تصريحات للنظام المصري، بأنه دمر كذا وكذا من عربات تحاول التسلل عبر الحدود الغربية لمصر.

ومع احترامنا للجهود المبذولة من قِبل الدولة المصرية للقضاء على عمليات التسلل الإرهابية، إلا أنها بالتأكيد لن تصل إلى نسبة الـ100%، وإلا لكانت العمليات الإرهابية قد انتهت منذ زمن، إلا أن الواقع يشير إلى أنها ما زالت مستمرة للحظة كتابة هذه السطور.

لذلك فعلى سبيل المثال ليبيا وهي دولة عربية، وعضو بجامعة الدول العربية، ما يحدث بها من عدم استقرار أمني فإنه يؤثر بشكل أو بآخر على الأمن في الدولة المصرية العربية الأخرى التي تقبع بجوارها، هذا بالإضافة للنواحي الاقتصادية الأخرى، حيث أثر عدم الاستقرار السياسي في ليبيا على ظروفها الاقتصادية؛ مما أدى إلى ترحيل مئات الآلاف من المصريين من ليبيا، إلى موطنهم مصر، والذين كانوا يعملون بليبيا. وبالطبع إذا كانوا يجدون عملًا في مصر، فلماذا يرحلون إلى ليبيا؟! إذًا ازدادت البطالة حينما عادوا؛ ليصبحوا بلا عمل، ويضافوا إلى رصيد العاطلين في مصر.

إذًا هذا تأثير آخر لما يحدث في دولة عربية، وأثره على دولة عربية أخرى، هذا ناهيك عن غياب دولة عربية لها تأثيرها في ميزان القوة العربية ضد إسرائيل.

فغيابها يعني ازدياد كفة ميزان القوة لصالح إسرائيل، ولن تنسى إسرائيل أن ليبيا في ظل نظام الأخ القائد «معمر القذافي» قد ساندت مصر في حربها ضدها عام 1973، وهذا بشهادة الرئيس «السادات» في البرلمان حيث قال: «إنه بالتعاون مع القوات السورية، ودعم من القوات العربية؛ حققنا النصر»، وكان ممن دعموا مصر الأخ القائد «معمر القذافي»؛ فبالطبع كان لا بد من الانتقام ممن دعم مصر في نصرها في 1973. أقول هذا لمن يتعجبون مما يحدث على الأراضي الليبية من صراعات تكون مجهولة الأسباب غالبًا، إلا اللهم إذا كان الصراع على السيطرة على البترول؛ إذًا ما يحدث في دولة عربية يؤثر على مصر.

وكذلك مثلًا ما يحدث من صراعات على السلطة بين الفلسطينيين في غزة ورام الله، واستيلاء الحمساوية على السلطة في قطاع غزة، بانتخابات مزورة بشهادة الفلسطينيين أنفسهم، الذين رحلوا من غزة إلى مصر، بعد استيلاء الحمساوية على السلطة في غزة، حيث قالوا إننا لم ننتخبهم؛ فاستيلاء حماس على غزة سهّل دخول الإرهابيين إلى سيناء، بما شكّل تهديدًا للأمن القومي المصري، ما زالوا يعانون منه إلى الآن.

وحتى كتابة هذه السطور لم يستطع النظام المصري القضاء على الإرهاب في سيناء، مع قرب انتهاء عام 2018 حيث أطلقوا عليه اسم العملية الشاملة، والتي من الظاهر أنها لن تنتهي هذا العام، أو حتى في الأعوام القليلة القادمة؛ إذًا هذه دولة عربية ثانية، ما يحدث بها يؤثر على الأمن القومي المصري.

وكذلك أيضًا ما يحدث في اليمن السعيد؛ يؤثر على باب المندب، وأمن عبور السفن فيه، بما يؤثر على الممر الملاحي لقناة السويس، أحد أكبر مصادر الدخل القومي لمصر، والذي إذا حدث شيء له ستتأثر خزانة الدولة المصرية، ولربما تفلس؛ إذًا هذه دولة ثالثة عربية ما يحدث بها يؤثر على الأمن القومي المصري.

وهناك أيضًا الدولة العربية السورية، وما يحدث بها من تدخلات سافرة من قبل الدول الأجنبية، التي لا يهمها سوى مصالحها ومصالح أمن إسرائيل أولًا وأخيرًا، هذا الإضعاف للدولة السورية، يعني إضعافًا لكفة ميزان القوى العربية في صراعها مع إسرائيل، وهو الأمر نفسه لإسرائيل، الانتقام لمن دعم مصر، وساندها في نصرها عام 1973.

وكذلك الأمر بالنسبة للعراق، وأخيرًا سيأتي الدور على مصر، حيث ستكون الدولة الأخيرة التي سيتم الانتقام منها وتدميرها واحتلالها لإقامة ما يسمى دولة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات.

إذًا ما الحل؟ الحل هو إقامة قوات عربية مشتركة لحفظ السلم والأمن العربي، على أن تشارك كل دولة بحوالي ما يقارب 50 ألف جندي خارج عِداد جيشها الوطني. يكون مخصصًا للمشاركة عند الاستدعاء، من قبل قوات حفظ الأمن والسلام العربية، على أن تبقى كل قوة في بلدها مستعدة ومدربة من جيشها الوطني لحين استدعائها للتدخل، على أن تكون المشاركة بالتدخل للقوات بقرار من مجلس الجامعة العربية بأغلبية ثلثي أعضاء الجامعة، على أن تضاف الأعباء المالية الخاصة بالقوات على ميزانية الاشتراك للدول الأعضاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك