إعادة البناء

في عهد السادات حاول أن يبدأ الشروع في خطة رفع الدعم، وبالفعل رفع الدعم بشكل جزئي؛ فقامت انتفاضة شعبية في كل الشوارع سميت «انتفاضة الغلابة».

لم تعجب السادات هذه الانتفاضة فسماها «انتفاضة الحرامية»، لكن الزخم الشعبي كان كبيرًا، والخسائر كثيرة، وحدثت فوضى وانفلات أمني؛ مما اضطره إلى العدول عن قراره وإعادة الدعم مكرهًا، وما هو إلا وقت قصير وانقلب عليه عموم المواطنين بعد تعظيمه وتبجيله ونعته بـ«بطل الحرب والسلام» وأطلق عليه عدد ليس بالقليل من التيار الإسلامي الذين أفرج عنهم وأخرجهم من المعتقلات «الرئيس المؤمن».

وما هو إلا وقت قليل واتهم بالفساد وموالاة رؤوس الأموال والاعتراض على سياساته بشكل عام، خاصة الاقتصادية، ثم اتهم بالخيانة العظمى؛ لتوقيعه اتفاقية «كامب ديفيد» وترتب على أثرها اغتيال السادات.

ما أشبه الليلة بالبارحة، فالذين يروجون اليوم لما يطلق عليه ثورة الغلابة بهذه الطريقة القديمة المبتذلة، ثم يروجون لما يليها بمصطلح «ثورة الجياع» متغافلين عن التصادم مع الدولة والأجهزة الأمنية لاستنساخ نموذج قديم أثبت فشله سلفًا، فالدولة وأجهزتها الأمنية لن تعدم الحيلة أو الوسيلة في إفشاله مرةً أخرى، أو على أقصى تقدير لنجاحه هو تقديم بعض التنازلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وجزاء من ينسى ماضيه إضاعة حاضره.

من خطط لثورة على أي من أنظمة الحكم لسببٍ ما لم يسبقها بالمسميات أو علقها على شرط أو ضبطها على توقيت، فالثورة هي فعل بطبيعته مخالف للمعتاد، وعلى عكس النظم والقوانين.

لو تم النظر بإنصاف لأمر رفع الدعم ستجده أمرًا غاية الأهمية لفساد المنظومة الداعمة، يترتب على ذلك عدم وصول الدعم لمستحقيه، واستغلال الدعم في صفقات سرية وعمولات وسمسرة غير مشروعة بدافع التربح وغالبية المنتفعين من الدعم ليسوا بحاجة إليه.

لو تم النظر إلى رفع الدعم من منظور علمي ستجد اقتصاديات العالم القوية بأكملها خالية من هذا التوجه السلبي المنهك للدولة ولموارد إنفاقها إنما الأولى من الاعتراض على رفع الدعم في مطلقه تركيز الاعتراض على الموضع الصحيح وهو تعويض الشرائح الاجتماعية المتضررة والاعتراض على التضحية بها من أجل إصلاح اقتصادي، فالإصلاح الحقيقي لا يستهدف طائفة اجتماعية معينة، ولا يدفع ثمنه جماعة اجتماعية دون غيرها، إنما الإصلاح مفهوم شمولي بحت يحتاج إلى توجه عام من الدولة والمواطنين، دون تمييز أو اضطهاد أو جور.

في الأخير نعم لرفع الدعم ونعم لتعويض المستحقين ونعم للمساواة الاجتماعية في حقوق الأفراد ونعم لتقسيم عادل لثروات الدولة على المواطنين، ونعم لضبط منظومة الأجور ونعم لتحرير الاقتصاد الوطني.

لا للتمييز لا للفساد لا لمنظومة السماسرة لا للجور والتعدي على حقوق المواطن المعدم أو حتى محاولة الاقتراب منه لا لاستنزاف موارد الدولة لا لإهدار المال العام لا للإتجار بقوت المحتاجين.

أبشركم خيرًا

السلطات المصرية ستحسن إلى المعتقلين الفترة القادمة، وستقوم بعملية تهدئة شاملة للأوضاع السياسية والاقتصادية وستسعى للتسوية مع التيارات السياسية المعارضة إما ظاهرًا أو باطنًا، لكنها تسعى لذلك.

ولا أستبعد نية السلطة تهيئة تلك التيارات للمشاركة بالانتخابات البرلمانية المقبلة، خاصةً بعد الأداء الركيك للبرلمان الحالي وحالة الفراغ السياسي والتشريعي التي تسبب بها فهو بمثابة عبء على الدولة والمواطنين غير أن أدائه غير مشرف على الإطلاق أمام برلمانات العالم المحترمة ولا يلبي طموحات الشعب.

لولا المستشار القانوني لرئيس الجمهورية «بهاء الدين أبو شقة» لأوشكت مصر على السقوط تشريعيًا في تلك المرحلة، إلا أنه دائمًا ينقذ الموقف كما يقوم بالدور ذاته بالنسبة للمؤسسات الدينية شيخ الأزهر.

ما زال عندي أمل أن تتخلص الدولة المصرية من حالة الترهل وكسر الملل والرتابة التي طفت في مصر جراء ثورة يناير وأن يتكاتف الجميع من أجل الوصول إلى مجتمع متحضر يليق بقيمة مصر وشعبها.

الجميع مذنبون في حق أنفسهم وبلدهم بلا استثناء فدعونا نستعيد الروح الإصلاحية لنيلسون مانديلا ومهاتما غاندي ونعمل على وطن يتسع للجميع ونتجاوز الخلافات ونهمش الماضي ونقدم روح الإسلام بتقديم العام على الخاص ونستحضر روح النبي الأعظم محمد في الشورى والنزول على رأي أهل الرأي والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد