من المنتظر آن تجري في 6 مايو (أيار) 2018 المقبل الانتخابات البلديّة في تونس في نفس الوقت الّذي سيعلن فيها عن نتائج الانتخابات الرّئاسية المصرية المحسومة مسبّقًا، والملاحظ أنّ البعض يسعى لإفشال الأولى ولإنجاح الثّانية، فما الّذي يدفعهم لذلك؟

الانتخابات والدّيمقراطية

تعتبر الانتخابات الحرّة والنّزيهة ذروة العمليّة الدّيمقراطية ولا يمكن أن تختزلها، وهي آلية للاختيار تتطلّب شروطا أهمّها: حرّية الوصول للمعلومة، حرّية التعبير، حرّية التنظيم وتشكيل مؤسّسات مستقلّة، وهو ما لا يتوفّر في ظلّ الأنظمة الشمولية التسلّطية؛ إذ طوّر الحكّام أدوات وأساليب  متعدّدة للتّلاعب في عملية الإنتخابات بغرض تحقيق مقاصد غير تلك التي تُرجى من الانتخابات الدّيمقراطية، وعلى رأسها الحصول على الشّرعية أمام الجماهير والتّخفيف من حدّة الضّغوط المطالبة بالإصلاح واحترام حقوق الإنسان في الدّاخل والخارج.

وقد شهدت الجمهوريات الملكية العربية العديد من الانتخابات الفولكلورية الّتي لم تكن سوى مجرّد استفتاء وبيعة للحاكم، دون أن تنتج لا ديمقراطية ولا حرّية ولا حقوق ولا مواطنة حقيقية تجعل من الفرد شريك في وطن اختطفته أقلّية جعلت الغالبية على هامشه.

ويبدو أنّ المبشّرين بالدّيمقراطية وداعميها لا يسمحون إلّا بديمقراطية تفرز من يرتضونه في ظلّ إصرارهم على جعل من يحكمنا لا يخرج عن دوره الوظيفي الّذي أنشا لأجله وهو خدمة المستعمر الأجنبي وإجهاض أيّة محاولة حقيقية للاستنهاض والتحرّر، وكأنّ الدّيمقراطية والحرّية والمواطنة الحقيقية هي حكر على الإنسان الغربي المصنّف أوّلًا، وأنّ الآخر المصنّف درجة ثانية لا يحقّ له إلّا المغشوش ممّا يحقّ للأوّل.

الانتخابات البلدية في تونس

من المقرّر أن تجري يوم 6 مايو 2018 بعد محاولات عدّة للإغائها أو تأخيرها  وهي محطّة هامّة ومفصليّة في طريق استكمال المسار الدّيمقراطي في تجربة تونسية متعثّرة لكنّها متميّزة وناجحة نسبيا في محيط من التّجارب الفاشلة والزّلازل والرّمال المتحرّكة.

تعتبر هذه الإنتخابات المحلّية أهمّ من الرّئاسية والبرلمانية، فهي تتبّث الدّيمقراطية المحلّية وتؤسّس  للحكم المحلّي وترشّده لعلاقتها المباشرة بالمواطن ولتعلّقها بشأنه اليومي، ولا يخفى أنّ العديد من القوى المعادية للدّيمقراطية داخليًا وخارجيًا تحاول عرقلتها وإفشالها بطرق مختلفة، إمّا خوفًا من نتائجها أو لعدم إيمانها بالدّيمقراطية جملة وتفصيلًا، ولازالت هذه القوى إلى حدّ السّاعة تعمل كلّ ما في وسعها على إبطالها أو إفشالها.

الانتخابات الرّئاسية المصرية

 وقد تمّ إجراؤها أيّام 26، 27، و28 مارس (آذار) 2018، ويعتبر السّيسي وكأنّه المرشّح الوحيد الذّي سينافس نفسه بعد اختيار (كمبارس) له وإقصاء مرشّحين آخرين لديهم فرصة للمنافسة الحقيقية، وهي محسومة النّتيجة مسبّقًا، ولا تحتاج إلّا لبعض مساحيق التّجميل لتسويقها خارجيًا، ويبدو أنّ نسبة المشاركة الّتي وقع تزويرها بشهادة الجميع لم تكن  مرضيّة بالقدر الكافي ومتناسبة مع كلّ المجهودات الّتي بذلت للحشد للسّيسي ترغيبًا وترهيبًا.

الانتخابات الرّئاسية المصرية كانت مسرحيّة سيّئة الإخراج، كرنفال احتفالي للرّقص وشبه استفتاء أجمعت القوى الحيّة المصرية على مقاطعتها فاتّهمت بالتّخوين ومحاولة قلب نظام الحكم، ويبدو أنّ السّيسي غير مهتمّ بذلك ومستمرّ في تنفيذ ما جلب لأجله: تدمير مصر وإخراجها من التّاريخ، وحتّى من الجغرافيا، وإتمام صفقة القرن أو (صفعة القرن)، وهو لا يستحقّ لمجهود أو برنامج انتخابي في ظلّ تبنّيه لمحاربة الإرهاب المفترض الّذي صار واقعًا وترسّخ، وهو من حين لآخر يستثيره أو يصنعه؛ ليمكّنه ذلك من الاستمرار كضامن للأمن والأمان ومتصدّ للأشرار، وأيّ أشرار!

تعتبر الانتخابات المحلّية التّونسية شهادة ميلاد لتجربة تونسية تتنفّس ويشتدّ عودها لتمشي على قدميها، وهي ثمرة من ثمرات الرّبيع العربي، ونقطة ضوء في العتمة، بينما الانتخابات الرّئاسية المصرية هي بمثابة شهادة وفاة، وإذن بالدّفن لتجربة مصريّة تهافت الجميع على إفشالها.. نجاح نسبي هنا، وشبه فشل كلّي هناك، ومؤكد أنّ عجلة التّاريخ الّتي تدور سوف تدوس من لم يفهم حركة دورانها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد