الخوف ليس دائمًا شعورًا عاديًا يشعر به المرء تجاه شيء معين ولا يمكن أن يكون ناجمًا عن الشعور بالتهديد أو بالخطر فقط، فحياة الفرد يهيمن عليها الشعور بالخوف، وإن كان هناك ما يسمى بالخوف العادي أو المنطقي، ففي المقابل هناك خوف مرضي أو غير منطقي وهو ما يسمى بالرهاب أو الفوبيا. فهناك من يعاني من رهاب حيوانات معينة أو حشرات وهناك من يعاني من رهاب المرتفعات، وهناك رهاب عبور الشارع، ورهاب الأصوات الصاخبة، ورهاب الظلام والبحر والرعد والبرق، وهناك أيضًا من يعاني من رهاب الناس والأماكن العامة. وهذا الرهاب له أعراض عدة من بينها الشعور بالغثيان والتعرق وارتفاع دقات القلب وضيق التنفس والرغبة في الفرار وهو مدرج ضمن لائحة الأمراض النفسية ويحتاج صاحبها إلى جلسات علاج نفسي، ويمكن لهذا الخوف أو القلق غير المنطقي أن يولد مع الشخص كما بإمكانه أن يكون مكتسبًا.

وإلى جانب كل هذا هناك من الناس من يشعرون بالخوف من المستقبل فهل يمكن إطلاق اسم رهاب المستقبل على هذا الشعور؟

معظم مشاكل الإنسان تتجلى في كونه سجينًا للماضي، فعدم قدرته على التخلص من عقدة الماضي وتحرير نفسه وروحه من القيود التي التفت حول عنقه في فترة ما، يجعل ذلك الخوف العادي يتحول إلى قنوط ويأس ورهبة من المجهول وانعدام الرغبة في التفكير بالمستقبل، وقد يتحول إلى وحش يحكم قبضته عليه، ويجعله حبيسًا للماضي سجينًا داخل أوهام وأفكار سوداوية.

وهذا راجع للتجارب الفاشلة للإنسان أو لأحداث معينة وقعت في فترة زمنية جعلت منه شخصًا ضعيفًا أمام فكرة أن الغد قادم بأحداث جديدة، وتجد هذا الشخص مؤمنًا بأن كل ما لم يحدث بعد هو قابل للشك، وأنه لا يقين في الحياة وكل ما هو قادم معرض لأن يكون سيئًا وأن جهله للغيب يفقده القدرة على التهيؤ لاستقباله والرغبة في التخطيط أو التفكير فيه.

فعلى سبيل المثال، هناك من تبدأ معركته الفعلية مع الحياة عندما يتعرف على شخص جديد ويبدأ في التفكير في هذا الشخص الذي دخل حياته كشريك للمستقبل، لكن الخطأ الذي يقع فيه أنه في خضم معركته هذه لا يفعل شيئًا سوى المقارنة بين الشخص الذي شاركه الماضي والشخص الذي من المقرر أن يكون شريك الحاضر والمستقبل، فيبدأ بطرح بعض الأسئلة التي لا يمكنها إلا أن تزيد من حدة الوضع، من قبيل: كيف يمكن للشخص أن يكون متأكدًا من أن القرارات التي يتخذها في حياته أهي صائبة؟ ألا يمكن أن تكون هذه القرارات هي مجرد تكرار لأخطاء الأمس؟ ومن جهة أخرى هناك مخاوف أخرى من نوع آخر تأتي لتحط بداخل عقله، فيقلق من فكرة أن هذا الشخص يمكنه في لحظة ما أن يتحول إلى مجرد ذكرى، وهذا نوع آخر من الرهاب، رهاب الفقد، الخوف والقلق من أن نفقد الشخص الذي نحب فيضيع من بين أيدينا كما تضيع باقي الأمنيات، فالحياة مليئة بالمفاجآت غير السارة، وهنا تظهر قدرة الشخص على المواجهة أو عجزه، وفي الغالب، يستسلم هذا الإنسان المصاب بفوبيا المستقبل لأفكاره التشاؤمية ويسلم أمره للغد حتى يفعل به ما يشاء، إما أن ينجو وإما أن يغرق فيفشل، فيضاف الفشل إلى قائمة خساراته التي تعمق لديه الشعور بالقلق والخوف.

لكن المقارنة بين الأمس والحاضر بأشخاصه لا يمكن أن تكون مجدية ولا يمكن أن توصل إلى نتيجة، فلكل واحد منا صفاته الخاصة التي تميزه عن الآخر وتجعل منه إما شخصًا جيدًا أو شخصًا سيئًا، ثم إننا جميعنا مسؤولون، بشكل أو بآخر عن النتيجة، وقد ساهمنا بطريقة ما في فشل علاقة ما كان بإمكانها أن تدوم مدة أطول، وأننا بداخل علاقة ما نكون شخصين وطرفين اثنين، لا يمكن لطرف واحد أن يتحمل مسؤولية ما حدث في النهاية.

على المرء أن يتقبل فكرة أن الماضي بكل أحداثه وشخصياته ليس إلا خطوة يمشيها صوب هذا الحاضر حتى يبني المستقبل، إن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم قدرتنا نحن على تقبل أخطائنا ورفضنا التصالح مع ذواتنا والاعتراف بما به قد فشلنا، حتى نتمكن من المضي قدمًا نحو الغد.

هناك من يلجأ إلى طرق أخرى تجعله في منأى عن الخطر أو على الأقل تضعف نسبة الخوف لديه، فيلجأ إلى وضع احتمالات سيئة وأخرى جيدة، حتى يكون للصدمة وقع أقل، ويخرج من الحادثة بأقل الخسائر الممكنة، كما يقول أحمد خالد توفيق على لسان د. رفعت إسماعيل بطل سلسلة روايات ما وراء الطبيعة «هذه هي فلسفتي.. دائمًا أتوقع الأسوأ وفي كل مرة يتضح أن توقعاتي كانت أسوأ من الحقيقة، هذا جعل الحياة بالنسبة لي سلسلة من المفاجآت السارة».
وفي نفس السياق، نجد في عالمنا العربي الذي تسيطر
عليه الخرافات والأفكار التقليدية بعض الناس الذين إذا ما زارهم الفرح مرة لا يعبرون عن شعورهم بالفرح خوفًا من تبعاته، كأن الفرح لعنة إن سلمنا إليها روحنا
تملكتنا روحها الشريرة، وأن الفرح قد يتحول قرحًا والسعادة همًا، يتوقعون أن المصائب تأتي مصاحبة للأفراح الكبيرة، وهذا اعتقاد سائد في معظم المجتمعات التي لم تتخلص بعد من رواسب الماضي بخرافاته، وهذا يكرس احتمالية أن يكون الخوف من المستقبل بصفة خاصة والخوف بصفة عامة هو مرض وراثي، تتناقله الناس المريضة فيما بينها.

كل يوم جيد هو عبارة عن مفاجأة، يجب على المرء أن يكون مستعدًا لاستقبالها بخيرها وشرها، وتوقع الأسوأ أو العيش باحتمالين ليس حلًا، الحل هو أن نتعلم أننا لا نملك إلا الحاضر، فهو الفرشاة التي نلون بها المستقبل، فالخوف يفقدنا القدرة على ممارسة حياتنا الاعتيادية والقدرة على التركيز والإبداع كما قد يكون سببًا في عزلتنا عن العالم وغربة من صنع خيال تطغى عليه الأوهام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد