ستخرس ألسنة الحملة الانتخابية الأخيرة في الجزائر على لابونت الأمي الشهيد على مقاسات قانونية وترتيبات الإدلاء العظيم، ستخرس وستنمحي تباعًا أصداء من اللسانيات التي أطلقت والسرود التي أنهكت الواقع والخيال من المدحية أو الهجائية، أو بعض من الإساءات والإعلاءات للأرباب وللسماوات البلاستيكية.

ستنمحي إذن، وسيلفها ضجيج وأحزان وطنية بامتياز الأيام واليومي الجزائري، السنة حملة انتخابية، وقد انفجرت عشية اليوم الأخير من الشهر الأكتوبري المنصرم على مقاسات الترتيبات الدستورية الضرورية والالتزامات الديمقراطية أمام عيون العالم، فلا بد أن تمر انتخابات وترشيحات وآجال إيداع وقوائم وحملة انتخابية ويوم اقتراع عظيم وتنصيب، ستأتي مجالس وهياكل ولجان بما ينفع الناس.

ستأتي تلك الترتيبات بعدما أكلت الحملة الانتخابية فترتها ستخرس ألسنتها في الثالث والعشرين من الشهر النوفمبري العظيم سيقول شعب جريح قابض ما زال على ثارات شهدائه الأولين والآخرين، وعلى حمى تربة طينته التي يروادها الأشرار في الحضن الداخلي، والأغيار من وراء تخوم حدودية لا تنام أعين شبابها في جيشها الوطني الشعبي، سلسل جيشها التحريري النوفمبري الذي رفع براءة مجاهديه أمام الدنس الاستعماري الفرنسي وعملائه ممن بقوا، أو عادوا أو على الأهبة عائدون، تحت ملابس من الإسلاموية والديمقراطية وكره الديكتاتورية وحقوق الإنسان وأشياء أخرى.

ستخرس إذن ألسنة الحملة الانتخابية الجزائرية على خلفية مشهد ربما كما رسمته ضارب في الألم، والغاضب عن الفسدة والتجاوزات والأحلام المطعونة، وممثلين بارعين في الدين في كل مرة يولدون أكثر شراسة مما سبق، وبذات الألوان والأكف لم تغير وشمها وقد تلحفوا بطينتي ظلمًا وبهتانًا.

لكن ما خرست عنه الحملة الانتخابية ربما سأقوله في هذه المقالة، عن حزن يحفر يومًا بعد يوم أعمق فأعمق في الجسد الجزائري الشعبي، والجسد الشبابي الذي يركب أمواج متوسط غادر هروبًا ربما أو سلوكًا لا يفسر عن الحزن اللعين، والجسد الإداري الذي تصففه البيروقراطية والأوراق والأختام، والإداريين الذين جاؤوا ربما صدفة فلا يتقنون مهامهم إلا بما يتقنه الذي لا يملك لمن يستطيع، والجسد السياسي الموبوء الذي لطخ بما هب وبما دب ممن تراحم بهم القانون وتركهم في غوياتهم يعمهون، فتراهم يكررون كل شيء في غفلة عن القائم، فلا تستطيع أسمن القطط أن تجمع 200 من الناس الحقيقيين في النضال دون مدفوعات من المال، أو وعود من الكذب المبين لا يأتي أحد، والجسد الرياضي الذي لم يستطع أن يعطي طينتي فريقًا من أبناء ملاعبي العميقة، وظل رهين الاستقدام الأجنبي الفرنسي فأضحت هذه الاستقدامات نفسها تجارة فرنسية بامتياز وفساد أشياء أخرى، ولا الجسد الثقافي المغيب والذي يخيف ساسة وبيروقرطين، فلا تفتح أمامهم الأبواب المغلقة مند القحط الأول.

حزن خرست عنه الحملة الانتخابية أو لم تستطعه، ولم تستطع وصفه ولا قوله والاقتراب منه، حزن يكاد يضحي مركبًا مرادفًا للهوية الجزائرية المعبئة بالغضب والفوران وأحلام العدالة الاجتماعية، أو عشق عصافير فلسطين.

وثارات الشهداء التي لم تقل، وخرست عنه الحملة الانتخابية في طينتي الصابرة المصطبرة مند أولى الجراح إلى المجيء الإشراقي الموعود بوصايا الشهداء الأبرار. وصايا أول مرة أن: الأمانة والتضحية سرها، وأن العدالة والحقوق والمساواة فكرها، وأن الوظيفة والتضامن وخير بين الناس بالقسط يوزع وحكم بينهم بالقسطاس ديدنها، هي ثارات الشهداء ذكرى عن الراحلين بما لا تنسى؛ لأنهم أعطوا ذروة البدل الإنساني أرواحهم وتركت بعض من أنسالهم أبناء للشهداء شهودًا ربما عن حزن الارتكاب، ومجاهدين ما يزالون كذلك قيد القسم النوفمبري الأول على أمانة الشهادة لأجل عيون أطفال طينتي وأمانة الحزن والارتكاب.

ما خرست الحملة الانتخابية عنه أن ثارات الشهداء تتجلى في كل تجمع انتخابي، وأنها ثارات ستخرس الكذابين والانتهازيين لو نطقت، وستخجل الخونة والمتآمرين لو أعليت، وستفوح بعطر البسطاء كما حمائم طينتي ممن سيلبون نداء يوم الاقتراع العظيم صونًا لثارات الشهداء ضد الأحزان كلها لا أكثر ولا أقل.

تنويه: بين 29 أكتوبر (تشرين الأول)، و23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 كانت حملة انتخابية في الجزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد