منذ أن أورقت أصابعي بأحزان طفولتي كان اسمك يخجلني، ومنذ أن وعت ذاكرتي ونطق لساني أحرفي الأولى ظل اسمك يتنافر وأشياء كثيرة بداخلي، اسمك بدأ إمضاء لأبشع قصص الفظاعة والإعدامات والقتل، وتمثيل بالقتلى وإخفاء للرؤوس ونهب للذاكرة إلى متاحف فارهة في الفسحات ما حول نهر السين الذي ترفع وأحرفه كما المخارز التي رفعت القمع والإغراق في الماء البارد الأكتوبري الباريسي لأسماء طينتي.

فمن يجيرنا منك يا فرنسا؟

وأنت منذ أن أورقت أحرفي ولغتي العربية بمقاسات نحوها وصرفها وبهاء تراثيات شعرها الجاهلي وما حوته مجلدات السابقين، ومنذ بدايات الفك الطفولي للسور والأسماء من على ألواح كتاتيبي المتهرئة كتاتيبي المخبأة في ظلال أزقة طينتي، مذّاك كنت قبالتي وجهًا للعذاب.

ومنذ أن انسكب تراثي وفلكلور أمتي بداخلي بعدما تمكنت ناصية شبابي المتعطش للقراءة والكتابة كمهما، حينها وجدتك مخبأة في ظلال المنعطفات التاريخية واليوميات المأساوية لأهلي وشعبي المتعبان من زخرفة خداعك الذي جاءهم وظل غول يلتهب الأحلام كلها، غول أحرق بالنابلم الأجنة وصغارًا وجميلات ومداشري الشهيدة، ومن قبل أحرقت نيران مدافع سفن أساطيلك الغازية قصبتي وشوارعي وإيالتي الجميلة واستمر حرقك بالنار والرصاص أطفال قبائلي والأجيال التي تلت لما فاق القرن بثلاثة عقود.

ومنذ لغتي الأولى المتهجاة إلى لغتي المتمكنة إلى لغتي الإبداعية ربما تلك السابحة في جماليات الاستعارات والتشبيهات والتراكيب البديعية مذّاك بقيت شبه أحرف كلمة للعار الذي لا تقبله روحي فتهجوها لغتي أشد الهجاء؟

فمن يجيرنا منك يا فرنسا؟ أيتها النابليونية، والديغولية والساركوزية التي ظلت طويلًا تزخرف الألم وتمزجين نقع السم بشهوة العسل في الأيام الجديدة والتكنولوجية وما تعشقه الأجيال من قصص الكرواسون الساخن والقهوة الباريسية والجميلات والفاحشة.

فمن يجيرنا؟ ألم ألمحك بين أقسامي المعربة تخربين الانتماء وأنت التي جاهرتني العداء الأبدي منذ أول الغزو إلى الأعلام النوفمبرية وما تلا فلم ترحمي انتماءاتي وانتقمتِ بفجور نكاية في حرفي العربي المسكين؟ أقسامي المعربة التي حلمت أن تصرف موليير وجان دارك والنابلونية القديمة التي فرخت بين مداشري تنكيلًا بتراثي وانتماءاتي وثقافتي وأبقيت بهتانك ولغتك وقد علم الفرح الزائف؟ فلم يفلح أهلي في اللغتين وظلوا مثلما المرمي بين الظل والرمضاء. ربما أدخلتِ فيما ترك وكلاء أخذوا بيدي إلى أقسامك بجماليات الإلقاء المولييري وحين سكن الانبهار شراييني انسحب الوكلاء وتركت بلا لغة ولا هوية ولا انتماء فضحك مني موليير ووكلاؤه من هو الفرنكوفلين وما شابه.

فمن يجيرني، وقد صعرت خدك بفجور طوال أعوامي وأعوام من سبق جيلي في أواسط سبعينيات القرن العشرين وقد مضى مثقلًا بإمضاءاتك فكل شيء كان سبق إصرار وترصد منك، كل شيء وقد أضحى أمامي الآن بعد أعوامي الحزينة إنه حقًا كان تآمرًا على كل شيء في طينتي ولا يزال، فمن يجيرنا منك يا فرنسا؟ أقرأ جيلي من خلف لغتك وأحلم بأيامي وأكتب أحلامي ويلقي كبيرنا نصه الرسمي بلكنة قاموسك، لقد أسكنتني مولييرك غصبًا ولم أعشقه يومًا فأورثني ثنائية دمرت طينتي لأني لم أمسك ثقافتي وتركتها بين اللغتين.

لا أدري ربما أول الأشياء التي عرفتها كان اسمك؟ لا أدري ربما أيضًا أول الأسماء التي خفتها كان اسمك، قرأتك إرهابية قاتلة محرقة حارقة بالظلم والطغيان، قرأت على أزيز رصاص حقدك الذي كنت ترشينه على قرى طينتي وأشجارها وحقولها لا تزالين ترشين الوهم والبهتان وعند المغيب في مدني أكاد أصرخ أنك لم ترحلي فكل شيء يستذكرك منازلك القديمة وقد صارت الأبهى والأغلى ثمنًا فلم يبن قيامي النوفمبري ما يليق من منازل لأهلي.

والبساتين والحقول المهجورة الجرداء وقد كانت أغراسها لا تطال فلما أخفيت ماء سقيها قال شيخ أنهكته الأيام والمرض فلم يداوِه مستشفى ينقطع عنه الكهرباء في طيني وظل مستوصفك الكولونيالي شاهد هوان.

أنت مخجلتي في لغتك وأحيانًا مخجلتي بثراء الفرنكفلين الثقافي والحياتي والإنساني فيما تستجدي لغتي عتبات البيوت ولم تستطع، ومخجلتي بلغتك التي تمنع عني فنادق ضخمة لا تقرأ زوارها بغير المولييرية، ومتاجر كبرى لا يستشري فيها بغير لسانك ونقاشات وصحف وروايات لا تكتب ولا تقال بغير قاموس موليير وهي الأهم في طينتي فيما لغتي تتلاعب خلف الحقائق والانتشار، لقد سكنت كل شيء كما الروح الملعونة ولم تتركي لي شيئًا يمكن أن ينصفني! فمن يجيرنا منك يا فرنسا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد