مند أن تضعضع جدارهم التنظيمي بعد رحيل رئيسهم المؤسس، الشيخ محفوظ نحناح، بدت وديعته التي تركها للإخوان الإسلامويين النحناحيين في الجزائر قوية جدًا بما يكفيهم للبقاء.

فلم يتوقفون أبدًا بعدما اختاروا التخندق مع الحكومات المتتالية زمن تسعينات العشرية الحمراء، وما تلا على إعلاء وديعة نحناح التي قامت على الابتعاد عن الإسلاموية الأخرى الجهادية المجسدة.

والغريب أنهم في تخندقهم لم يلوا جهدًا في إلصاق الشرور والشوائب، وفدائح المفاسد كلها بالجيش الجزائري فيما كان يسمى إعلاميًا الجنرالات.

فظل الإخوان النحناحيون وغيرهم يفعلون هذا سرًا، إلى أن أضحى جهرًا، مع صعود آخر قياداتهم في التنظيم عبد الرزاق مقري، والذي اشتغل صقرًا إخوانيًا ضمن الحركة ومجلسها ومكتبها مثلما يعرف؟ فكان حتى ضد الوديعة النحناحية، وضد الدخول في الحكومات المتتالية، وأشياء أخرى.

على كل حال ما يجب التثبث منه أنه أضحى بأفكاره تلك ومواقفه المتشددة قائدًا رمزًا للإخوان النحناحيين؛ مما أبدوا مسالمة سياسية ظاهريًا في السابق، لكنهم بقوا يكيلون الاتهامات والنقد بالمفاسد وعرقلة الديمقراطية للجيش.

لعل مبادرة عبد الرزاق مقري الأخيرة برهانه الساطع، على أن حجر الزاوية في هذه الحركات الإسلاموية التي تستعيش حول الجيش ذمًا أو مدحًا، أو مطالبته وجره إلى السياسة، تخفي أسرارًا أخرى، لعل أوضحها أنها تؤكد رؤاهم القاعدية، كون الجيش الجزائري يتحكم، ويتدخل في السياسي؟ وأرى، أن هذا الجر هدف المبادرة الأخيرة للحركة الإخوانية النحناحية مجسدة في رئيسها الجديد عبد الرزاق مقري، بما لم يتفطن له أحد.

وعبد الرزاق مقري لمن لا يعرفه من أوفى مريدي محفوظ نحناح شيخه، والأكثر تمسك بالتراث النحناني، والأعلى رتبة في النضال الزمني ضمن الهيكلة الإخوانية النحناحية السرية والعلانية. ولا نضيف لمدحه شيئًا للقراء العرب، لو قلنا إنه الأكثر شعبية ضمن المجلس الوطني الحمسي، والأعمق تأثيرًا في عقول الأجيال الجديدة من تيارات الإخوانيين النحناحيين الجزائريين المنهمكين في أحلام الربيع العربي، والجلوس على سدة الحكم. مسلحين بوصايا وديعة نحناح شيخهم المؤسس، وما يمكن أن نسميها وديعة مقري الجديدة، وهما أسلوبان متناقضان جوهرًا ومبتغى. الأولى تعنى بمسايرة الحكم إلى ساعة التمكن، والثانية تعنى بقطع الطريق بتوريط الجيش والسياسي الجزائري.

وللقراء العرب، إن وديعة نحناح (1) ليست وصايا أو كتبًا أو تعليمات، بل هي اختصار (النحناحية في الجزائر) الخط السياسي الذي بزغ فيما تلا الانقلاب على الجبهات الثلاث في انتخابات العام الأول من النصف الأول من تسعينات القرن العشرين، وقد أضحت مع مرور الوقت وكأنها وديعة سياسية بمضامينها وأساليبها السياسية والديماغوجية وأشياء أخرى؟ وهي خط استراتيجي يعالج المستجدات ضمن مخرجات سياسية جزائرية لإبقاء الحضور الإخواني لا أكثر ولا أقل.

إنها أسلوب للخوض في العراك السياسي، بخلفية من الأيديولوجية الإخوانية ومبدأ السلم كما أسسه شيخهم نحناح؟ فقد غيرت تسمية الحركة من «حركة المجتمع الإسلامي» إلى «حركة السلم» اختصارًا، (حمس) غداة العقد التسعيني الإرهابي الأحمر؟

وهي فكرة تضم إيحاءات غريبة عجيبة من النضال السياسي الإسلاموي على السلمية السياسية، على الوقوع ضد الجنون الإرهابي وبث الأحقاد على رغبات مدفونة، طلعت مع ما يسمى بالربيع العربي، والتهليل الذي ركبته الإخوانية النحانية لهذا الربيع الكاذب، في مخالفة لجميع انخراطاتها السابقة والأهم وديعة نحناح. .

وديعة نحناح!

وعبد الرزاق مقري بعد تجربة ناجحة بمقاسات سرية ضد نظرية المنهج النحناني في المشاركة الحكومية والانتخابية، التي قادها أبو جرة واسمه الحقيقي أبو قرة، وقد غيره إلى آخر حركيًا، أبو جرة؛ نكاية في بشاعة دراجة لغوية لا تحمل الوله الإسلاموي؟ هذا الأخير مضى بوديعة نحناح في الشأن السياسي الجزائري إلى مداها، وكان خطيبًا متزمتًا في مساجد مدينة تبسة وقسنطينة شرق الجزائري في أواخر الثمانينات من القرن العشرين، ثم التسعينات بأحزانها وإرهابها وإسلامويها وإخوانها، إلى حين الزمن البوتفليقي في عهدتيه الأولى والثاني، فظلت وديعة نحناح مساهمة ضمن الأطر التمثيلية والتشكيل الحكومي، حتى تعالت الأصوات ما يسمى الربيع العربي، ثم أصوات المعارضة للدستور المعدل الذي فتح العهدات الرئاسية ، فبدأت على الأثر التجهيزات للعهدة الثالثة في تلك الأجواء، ثم العهدة الرابعة، ثم الأزمنة المالية كل هذه الأزمات كشف النيات الإخوانية النحناحية التي تنتهج فكرية جر الجيش إلى السياسي. لإبقاء الأوضاع على حالها أمام العالم؟

في الحقيقة أظهرت النحناحية في الجزائر جاهزيتها أمام جميع الاحتمالات، فلكل زمن سياسي رجاله عندها؟ لتسعينات نحناح، للألفية الجديدة أبو جرة، للربيع العربي مقري؟ وهي المواقف التي بينت تهلهل الاستراتيجية البعيدة المدى عند أولئك الإخوان النحانحيين في الجزائر.

لقد شاخت النحناحية فلم تعد وديعة نحناح

وديعة نحناح!

قيد البقاء التبرير السياسي الإسلاموي، كالذي كان. وإن كانت رغبة الاستمرار الوجودي ضمن ما تسميه بالكرسي الفارغ، تسكن النحناحين من المهد إلى اللحد؟ وهي رغبة المشاركة في التجليات الحكومية، والمنافسات الانتخابية فيما تلا أزمنة الجبهات الثلاث وضمن مختلف الأنواء، فالحضور الحكومي عندهم قضية حياة أو موت؟

جر الجيش هاجس مقري الخطير

وعلى خلفية كل ما بدا قد انقضى في تاريخية هذه الحركة، طلع عبد الرزاق مقري في ترتيبات داخلية جريئة ضمن حركته، واستطاع هزيمة غريمه حارس المعبد والوديعة النحناحية، وعلى أنقاض هزيمته له، بدأ في تشكيل وديعته الخاصة به على ما يبدو، وهي وديعة مقري مركبة من جملة أفكاره عن التشاركية، ومفاهيمه على الإسلاموية الحديثة، واتجاهاته بمقاسات المواقف العالمية والعربية والوطنية، ومساندته لما يسمى الربيع العربي، ولعل أفكار جر الجيش الجزائري إلى السياسي الجزائري، طبعت تصرفاته القديمة والجديدة، وهي لأجل تأكيد فرضية أن الجيش هو الحاكم للجزائر، و إلا فلم هذا الإلحاح غير المنقطع لجره؟

والأهم وقوفه رأسًا ضد المشروع البوتفليقي في الاستمرارية وفق المحددات الاختيارية للموالاة والأغلبية السياسية، بل إن إعلاء صراخ الرفض للاستمرار المشروع البوتفليقي، والرئيس عبد العزيز بوتفليقة في سدة الحكم كان منذ العهدة الرابعة والتطورات الأخيرة، فأضحى الإسلاموي المثير للجدل وغير المفهوم عند السياسي برمته؟

وضمن هذا أراه يحاول العودة من محددات فكرة الإعلام الفرنسي القديمة الجديدة، فكرة تعيين الرؤساء، لكنه يعيدها هذه المرة بصيغة الاتفاق على الرؤساء؟ وهو بذلك يتجاوز وصايا وديعة شيخه الأولى نحناح، والتي قامت على اختيارات المشاركة والبقاء قيد الحكومات المتتالية، فهل يفكر العارف الجديد في قتل شيخه القديم، وبالتالي جر الجيش إلى السياسي لإطلاق ضبابية جديدة في الأجواء الجزائرية على خلفيات الرئاسيات القادمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد