يا لك من شهر للغضب، يا لك يا أكتوبر الخريف والحزين، أكتوبري وقد غيرت ذكراه الأعوام وحطت أمانيه حتى آثرت الاختفاء عن ظهور ينقع الجراح بعد ثلاث عقود إلا عاما من الصرخة المدوية الأولى. تلك كانت صرخة من أماني وطنية وأماني ديمقراطية، وأماني الرجولة، أو ربما قلت الرجولة قليلا واستخلفت بمسايسات جوارية وأوزان وبعض من قواف؟

ذلك كان كل الأماني وقضمت سريعا عبر اختيارات ما تلا، والتربص الظلامي بسبق الارتكاب الإرهابي وبهتانيات الأمكنة والتاريخ ومبايعات تحت أشجار الوارفة بالذهب والفضة، ربما بما يضر الأماني الأولى والصرخات الأكتوبرية التي لم يخفها برد الخريف المتوسطي القارص فاخترق برمزيته وبصرخته كأجمل الأيقونات الغاضبة عمن ملئوا شوارعهم وأزقتهم وساحات القريبة بالانبهار الثوري الذي اكتشفه مع أول صرخة.

وعن ما كان من نهضة شبابية ثورية من صميم شغاف شعب برمته ظل يحلم دائما بالزحف على آثار حريته، حريته التي كبلت بالديكتاتوريات الوطنية وبالدوائر والبهتانيات والإسلام المدجن وأشياء أخرى. فلم تطق فورة الصبر إلا والصرخات مثلما أماني طائشة في مقتبل عمر مراهق؟ فورة يوم أكتوبري أنهكته كتابات وكلام فاض بالتأويلات والتحليلات إلى أن صار رواية عن ظالمين حالوا دون الصالحين في مصالح الناس.

يوم أكتوبري مقموع في كل مساء كل يوم، يقف ذكرى عن الغضب الذي كان، ذكرى عادية كما جميع الأماسي فلا وردة الثورة أينعت، والخريف أبقى وصاياه الديمقراطية كما يجب في فسحات الصراخ عبر الأزقة والساحات في مدن جزائرية غشتها عدوى الثورة. مدن آثرت الاحتماء في جدرانها للاحتماء من سطوة الرمزية الأكتوبرية التي تعود كل عام أكثر وقعا وأشد صهدا مما كان في الذكرى التي سلفت.

لم يعد ممكن فرز الذاكرة الأكتوبرية بغير مقاسات الفشل، وهي الذاكرة التي رسمتها خطوات متظاهرين غرباء إلا بالانتماء الثوري، متظاهرين لا بلا وجه ولا اسم ولا رائحة، وحده العطر الوطني الجزائري كان يترك في المنعطفات وعلى أرصفة الشوارع وفي الساحات، عطر امتزج بروائح الدماء التي كتبت الغضبة الكبرى عند كل صرخة قابلتها كل رصاصة صدقت أن الصراخات خائنة، لقد رسمت الصراخات والرصاص الطائش والمتظاهرين من كل صوب وحدب لوحة القيامة لأجل عيون الديمقراطية وكتاب الانعتاق لا أتذكره سوى الصرخات لأني من بقية جيل وزع أيامه في ريف المدن الداخلية فلم نكن ندري عن اليوم الأكتوبري سوى الصراخات، والذكرى التي سجلت ونقلت وفق تقارير وتحقيقات ووسائل من الميديا وقد مُلئت شاشات تالية.

كانت صرخات أضحت بوضوح أحزان وجوه الأكتوبرين أنها صعدت من فوق الخوف المكبل بالفقر والحرمان وأحلام قتلت عمدا؟ صرخات صعدت من أزقة ومنعطفات عاصمية في البدء لكنها أضحت تخرج من جميع الأزقة والمنعطفات في البقية الحزينة من المدن الجزائرية الأخرى.

صرخات رفعها غاضبون ربما كانوا جياعا، ربما بطاليين وربما قد ملأهم اليأس إلى أن أخرجهم إلى الشوارع وقد أضحى كل شيء في قبضة الناذر؟ الخبز والدقيق والوقود ومصالح أمة برمتها ركنت النادر المفقود؟ ففضحتها صرخات غاضبين ممن ضاقت بهم بواباتهم إلى أن حطموا سلاسلها، وأكتوبر شهر الغضب، وأكتوبر الخريف والحزين، وأكتوبر تستذكره الصراخات العارمة والأزقة الغفيرة والشباب الذي يجري دون ناصية صوب ناصية الوطن، والوطن وحده كان برمزية ما رفع من أعلام خط أحمر تسترخص لأجله الأرواح.

كان يوما من الخامس الأكتوبري، وكان سيضحى عاديا مثلما باقي الأيام الأكتوبرية الجزائرية الأخرى التي مرت، لكنه في أواخر أعوام هذا النصف الثاني من العقد الثمانيني من القرن العشرين، أضحى رمزا للرجولة وصرخة للدمقراطية وثارات الشهداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد