«كثرة البضاعة من نصوص السماء لا تغني فتيلاً في نفع صاحبها، أو في نفع الناس بما عنده إذا كان ملتاث الطبيعة مريض الفطرة، وقد رأيت رجالاً حظوظهم من تراث النبيين قليل، ومحفوظاتهم من توجيهات المسار لا يذكر، ومع ذلك فقد كان صفاء فطرتهم هاديًا لا يضل في معرفة الله، وما يجب له وما يجب على الناس أن يصنعوه كي يحيوا على أرضه أبرارًا أتقياء، ولعل هؤلاء أحسن حالاً وأرجى مآلاً من أناس مكنوا من هدايات الله تمكينًا كاملاً فبدلاً من أن ترتفع بهم هبطوا بها! إن التاريخ سجل هزائم كثيرة للطوائف التي تسمى رجال الدين». محمد الغزالي «جدد حياتك»

زاغت أبصارنا وبلغت قلوبنا الحناجر وظننا بالله الظنون، لا توجد رقعة على ظهر الأرض إلا وسالت فيها دماؤنا وانتهكت أعراضنا وسلبت أموالنا وديست كرامتنا بالأحذية الغليظة، وما نحن إلا فئران تجارب للأفكار والأيديولوجيات والأسلحة، يحدق بنا الشر كله، والموت يتربص بنا عند كل منعطف، ونحن لا حول لنا ولا قوة، يستبد بنا يأس ألصقنا بالأرض ونكس رؤوسنا، نعيش كصعلوك فقد قبيلته، أبصارنا وقلوبنا ترنو بلهفة إلى رجال الدين، حملة الإرث النبوي، لعلنا نجد عندهم النجدة، منتظرين منهم أن يتقدموا الصفوف، أن يقفوا موقفـًا يحبه الله ورسوله، وما إن قصدنا الطريق إليهم حتى لمحنا على عجزهم شارات الخذلان، فكانت خيبتنا كبيرة ومصيبتنا حبلى بمصائب أنكى وأكثر خذلانـًا، ومواقف تذبح المروءة ذبحًا.

ولا يكفي هؤلاء أنهم وقفوا موقف الخزي والعار من الأحداث التي مرت بالأمة تترى، بل أخذوا يبررون للظالمين ظلمهم لابسين لكل موسم ثوبًا، لا يتكلمون إلا بما يرضي الطواغيت، ويتراجعون فيما لا يرغب فيه الطواغيت، هل يكتفوا بهذا؟ لا والله، فتنشط على ألسنتهم جرافات الوعي، وحفارات الضمير، وشق قنوات الكذب والوهم، في تشويه أهل المروءة من الرجال الذين لم يقبلوا الدنية، والتي لولا أفعال هؤلاء لخرج الشباب المهضوم حقه من دين الله أفواجًا.

«إن تدينًا لا ينصر مظلومًا بالفعل أو بالقول، ولا يثير غضبًا للحرمات المنتهكة، ولا يحرض على التحرر من العبودية للمخلوقات، لهو تدين سيكي ميكي، يدعو إلى الإلحاد بحثـًا عن الحرية والكرامة». إسماعيل الإسكندراني «التنمية البشرية والتدين السيكي ميكي»

يعلق أحد هؤلاء الشيوخ من الذين ورثوا حمل بعير من قلة المروءة على حفاوة الشباب بكفاح أهل المروء ة الذين لا يقبلون الضيم، سائلاً وفي قلبه تغلي مراجل الحقد: ما الذي قدمه هذا الذي يتحلق الشباب حوله لدين الله، أين مؤلفاته، أين أطروحاته العلمية، كم يحفظ من الأحاديث؟

لا يعلم هذا الموبوء أن موقف هؤلاء أنفع للمسلمين وللدعوة من شيخ محاط بالأتباع يتزاحم في صدره القرآن مع كتب الصحاح من أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكتب أعلام المفسرين، ومئات المتون وآلاف الشروح، مستخدمًا علمه في تثبيط أهل الفلاح، أو معتكفـًا في صومعته يلهث لسانه نفسي نفسي، وأن ما لديه من علم لا يساوي كف نوى ما لم يصدع بمر الحق، وما لم يتمعر وجهه عند انتهاك حرمات الله.

ينتقصون ويثلبون قدر الرجال القابضين على جمر الحقيقة، الذين حملوا نفوسهم على المهالك يحملون مصابيح الشرف والكرامة، ولكن يأبى الله إلا تبكيتهم وخذلانهم وفضحهم، فينفض الشباب يده من شيوخ كأعجاز نخل خاوية، ويتحلق حول أهل المروءة معترفين بفضلهم مقرين لهم بالسيادة وإن رغمت أنوف الحاقدين وصدق القائل:

لولا المشقة ساد الناس كلهم .. الجود يفقر والإقدام قتال

فيظل لأهل التضحية المكانة العظمى في قلوب الناس، تظل كلماتهم هي الأمضى والأكبر تأثيرًا في قلوبهم، تضحياتهم هي الدليل الدامغ على صدق نواياهم ونقاء سريرتهم، أفعالهم حجة على المثبطين والمرجئين والمتخاذلين، هي الميزان الذي يوزن به الرجال، فلا يغرنك علم عالم، فالعلم يأخذه البر والفاجر، ولا يضحي إلا ذو مروءة بماله وعرضه ونفسه حسبه لله.

إن هؤلاء الشيوخ الذين يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع، وهم كبيادق على الرقعة لا تتحرك إلا بما عهد إليها من متاع قليل، هم منجم الباطل، وهم أكثر الناس صدًا عن سبيل الله، وأكبر دعاية سيئة لمنهج رسوله.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالي-: «وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله، وأكثر الديَّانين لا يعبئون منها إلا بما شاركهم في عموم الناس، وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه، فهذه الواجبات لا يخطرن ببالهم، فضلاً عن أن يريدوا فعلها، فضلاً عن أن يفعلوها، وأقل الناس دينًا، وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعًا، وقلّ أن يرى منهم من يحمرّ وجه، ويتمعَّر في الله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء».

«وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورئاساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين». ابن القيم «إعلام الموقعين عن رب العالمين»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد