التاريخ الإنساني إذا ما قلبّنا صفحاتهِ، سنجد الكثير من الأمم التي عاشت لقرون، ثم ما لبثت أن ضَعفت وتلاشت، وبين قيامها واندثارها تكَمن الدروس والعِبّر.

الغساسنة والمناذرة إمارتان، كلتاهما من العرب هاجروا من اليمن بعد انهيار سد مأرب. الأولى سكنت قرب حدود بلاد الشام الجنوبية، واتخذوا مدينة بصرى الشام عاصمة لهم، وكانوا موالين لدولة الروم التي كانت تحتل سوريا وفلسطين ومصر، واعتنقوا الديانة النصرانية لأجل تقربهم من الروم، وقد جعل الروم الغساسنة حراسًا لهم على حدود الشام ضد غارات المناذرة حلفاء الفرس.

أما المناذرة حكموا العراق واتخذوا الحيرة عاصمة لهم، ومن مدنهم في العراق النجف وعاقولا وعين التمر والأنبار وهيت، وكانوا حلفاء وحراسًا للفرس وموالين لهم.

تذكر صفحات التاريخ أنه قد نصب كل منهما العداء للآخر، ودخلوا في حروب طاحنة، إرضاء لحلفائهم، من الروم والفرس، وكان كل خلاف أو صراع بين الدولتين الكبيرتين، ينعكس أثره السيئ على العلاقات بينهما، وطيلة هذه الفترة الزمنية لم يفكر أي من الإمارتين، في كيفية بناء قوة ذاتية تجمعهما وتحميهما معًا من الخطر الخارجي، الذي كان يتهددهما آنذاك، ونتيجة للصراع المستمر تلاشت الإمارتان «الخادمتان» وبقيت إمبراطورتي الفرس والروم.

ما أشبه حال العرب اليوم بما كان عليه حال دولتي الغساسنة والمناذرة، فما زال الحكام العرب يبحثون عن الحماية، بتحالفهم تارة مع روسيا «بوتين»، وتارة أخرى مع الولايات المتحدة «ترامب» خوفًا وصيانة من مغامرات إيران و محاولتها فرض الهيمنة العسكرية والسياسية على المنطقة.

على الرغم من مرور عقود على هذه التحالفات، وكم المليارات التي أنفقت وتنفق على شراء صفقات الأسلحة سنويًا، جعلت من الدول العربية أكبر مستورد للسلاح في العالم، كان بالإمكان توظيف هذه الأموال في بناء قوة ذاتية تكون بمثابة الحصن الأول والأخير للدفاع عن مصالحها وسيادتها.

مع استمرار هذه التحالفات يأتي السؤال:

هل حققت البلدان العربية آمنها الذاتي؟ تأتي الإجابة في احتلال إسرائيل لأراض عربية حتى اليوم، وكذلك احتلال إيران لبعض الجزر الإماراتية، ناهيك عن التهديد المستمر لأمن دول عربية وسيادتها.

فإذا كانت البلدان العربية لم تحقق أمنها الذاتي بتحالفاتها الخارجية، لماذا الإصرار على طلب الحماية من الخارج؟ ما معوقات بناء قوة ذاتية؟
في تصوري أنه و بدون استثناء، لا توجد دولة عربية، تمتلك الإدارة في الاعتماد على نفسها في حماية ثرواتها وسيادتها وصيانتهما، لذلك لا تجد بدًا من الاحتماء من العدو الداخلي «أحيانًا» الخارجي «دائمًا»، بالاستعانة بالوصي والحامي الخارجي، وكأنها لم تحصل على الاستقلال «من المستعمر» إلا الشكلي فقط؛ فعباءة الوصاية والحماية قد يكون تغير لونها، ولكن بقيت آلياتها وأهدافها.

المثير للدهشة أن النخب العربية، ومن يخرج من بينهم لتولي قيادة البلاد، يكادون لا يقرؤون عِبَر التاريخ وحياة الأمم ويصرون، إلا أن يعيشوا في فلك حَليف قوي، دون البحث عن استنهاض قوتهم الذاتية. في تكرار عجيب لمأساة الإمارتين غير المأسوف عليهما.

ومن شواهد بقاء الحماية والوصاية الخارجية:

هل هناك بلد عربي واحد يستطيع أن يأخذ بزمام أموره السياسية إقليميًّا ودوليًّا بعيدًا عن حسابات القوى الكبرى ومصالحها؟

للأسف غابت فلسفة بناء قوة عربية ذاتية قوامها الاعتماد على النفس، وبناء القوة الذاتية يتطلب تحقيق السلم الاجتماعي، والذي بدوره سيكون مفتاح الإبداع واستنهاض همم وطاقات الشعوب، لتتحقق من بعدها التنمية الشاملة، وحينها ستتحقق الحماية الذاتية للأوطان، ولن نكون في حاجة إلى بوتين أو ترامب.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏شفق‏‏، و‏‏محيط‏، و‏‏سماء‏، و‏طبيعة‏‏‏‏ و‏في الهواء الطلق‏‏‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد