تسبب تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وما تبعه من حوادث إرهابية، وبسبب اتفاقية الهجرة بين الدول الأوروبية التي خلفت البطالة والأعمال العنيفة، والتي توجت أخيرًا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أفضت هذه العوامل في النهاية إلى صعود أحزاب وحركات اليمين المتطرف في أوروبا وبشكل غير مسبوق، كما أن التفجيرات الإرهابية والأعمال العنيفة التي تشهدها الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة  هي التي ستزيد من فرص أحزاب اليمين المتطرف، فالفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية في دول أوروبا، فمن هم اليمين المتطرف؟

اليمين المتطرف هو الوصف الذي يطلق على العديد من الأحزاب في القارة الأوروبية، التي وإن اختلفت في بعض الآراء تجاه القضايا الأوروبية الداخلية، إلا أنها تجتمع على اتجاه موحد أساسي هو العداء للمهاجرين والسعي للحد من الهجرة، حيث يجمعون على أن هؤلاء المهاجرين يهددون القومية الأوروبية (عبر السعي لأوروبا مسلمة مما يهدد القومية الأوروبية القائمة على القيم الليبرالية وفصل الدين عن الدولة)، ويسيئون استغلال مزايا دولة الرفاهة (كبرامج الإعانة وغيره). كما ترى تلك الأحزاب أن المهاجرين هم السبب الرئيس لانتشار الجريمة وارتفاع معدلات البطالة في أوروبا.

علاوة على ذلك، تتسم تلك الأحزاب التي تشكل ما يسمى باليمين المتطرف  بمجموعة من الخصائص التي تشكل نسقًا متميزًا، فأغلبها ينطوي على عداء للاندماج الأوروبي، ولسياسات الديمقراطية الاجتماعية الميالة لليسار، كما تدعو تلك الأحزاب إلى تقليص الضرائب، وتشديد عقوبات الجرائم، وعدم الاكتراث بالقضايا البيئية. فأسباب لصعود اليمين المتطرف أو العوامل التي ساعدت في انتشارة متنوعة، فقسمناها إلى عدة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية.

أولًا: الأسباب السياسية 

يعتبر تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991م، هي اللبنة الأولى لصعود التيارات والأفكار المنادية بالعودة إلى الهوية القومية،  فبتفكك الاتحاد السوفيتي، كان هذا أول عامل سياسي من عوامل صعود اليمين المتطرف بعد أن التفتت الدويلات الـ14 إلى أصولها العرقية في القارتين الأسيوية والأوروبية. كما أدت سرعة مسيرة الاتحاد الأوروبي الاندماجية إلى قلق البعض؛ لأنه حتمًا سوف تكون على حساب الخصوصية الوطنية والمحلية للدول الأوروبية القومية. والنقطة الثالثة هو الثورات العربية أو ما يعرف بثورات الربيع العربي عام 2011، وتدهور الأوضاع الإنسانية هناك من حروب أهلية، وتكوين ميليشيات وأنظمة فاشلة وتمدد التنظيمات الإرهابية… إلخ من مأسي، جعلت المواطن العربي يطلب اللجوء والهجرة إلى أوروبا. والنقطة الأخيرة هو عدم رضا الشعوب الأوروبية عن أداء الأحزاب اليمينية التقليدية، وغياب الشخصيات القيادية، وفساد الطبقة السياسية؛ مما فتح المجال أمام قوى اليمين المتطرف لإعادة طرح نفسها كبديل فعال في هذا السياق.

ثانيًا: الأسباب الاقتصادية

في عام 2008 بدأت أزمة مالية عالمية، والتي اعتبرت الأسوأ من نوعها منذ زمن الكساد الكبير سنة 1929 م، ابتدأت الأزمة أولًا بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم امتدت إلى دول العالم ليشمل الدول الأوروبية والدول الآسيوية والدول الخليجية والدول النامية التي ترتبط اقتصادها مباشرة بالاقتصاد الأمريكي، وأدت هذه الأزمة لانتشار البطالة والركود الاقتصادي.  والعامل الاقتصادي الثاني ومع زيادة الهجرة بدأ بعض الأوروبيين ينظرون للمهاجرين كمزاحمين لهم في وظائفهم، وخاصة المسلمين، وهنا ظهرت دعوات للتضييق على المهاجرين ودعوات عدائية ضدهم.

ثالثًا:  الأسباب الأجتماعية والأمنية 

 تصاعدت وتيرة الإرهاب كان بمثابة طوق النجاة لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، وأمريكا، حيث وجدت فيها ملجأ ومتنفسًا لتقديم نفسها من جديد، ما زاد شعبيتها في الخمس سنوات الأخيرة، ما تجسد في صعود أسهمها في فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا وغيرها من دول أوروبا، ثم في الولايات المتحدة الأمريكية . فالأوروبي الأبيض المسيحي يرى بأن الهجرة وأزمة اللاجئين من شأنها بأن تغير في التركيبة الديمغرافية بأوروبا على المستوى البعيد، ويرون بأن ظاهرة الإسلاموفوبيا أي (الخوف من الإسلام) هي الخطر الحقيقي لهم، وقد تبلور ذلك مع تكوين حركة أوروبيين وطنيين ضد أسلمة الغرب.

ومع ذكر تلك الأسباب المهمة بلا شك يجب علينا ألا نغفل عاملًا هامًا، ألا وهو تغيرات النظام الدولي وتقلباته، من الممكن أن تساهم بنية النظام الدولي في صعود اليمين المتطرف، فأوروبا عانت في القرن العشرين من النزعة القومية المتطرفه من النازيين والفاشيين بانجرار أوروبا إلى حربين عالميتين هي الأعنف، فالأوروبيون لا يريدون تكرار تلك المرحلة، ولكن ما نشاهده من صعود حاد لليمين المتطرف هو بلا شك نتيجة للأسباب آنفة الذكر، وزيادة عليها حالة اللاتوازن التي تمر بها بنية النظام الدولي وتغيير موازين القوى بين الدول، فصعود اليمين المتطرف هو نتيجة لمستجدات طرأت على الساحة الدولية، أخذ يهدد الدول مما جعلها تفكر بإغلاق حدودها والرجوع إلى هويتها الوطنية. ومن المستجدات مثلًا تراجع النفوذ الأمريكي،  فمنذ اعتلى باراك أوباما رئاسة البيت الأبيض عام 2009م، وأهدافه وبرامجه الانتخابية واضحه للجميع، أو ما تسمى بعقيدة أوباما، التي تتركز على نقطتين أساسيتين، وهي انكفاء الولايات المتحدة على نفسها، باعتبار أن قوة الولايات المتحدة تنبع من تماسكها الداخلي، وليس من سطوتها الخارجية، والثاني استيعاب أو احتواء دول كانت تعتبر من قبل مارقه أو عدوة، وهي روسيا وكوريا الشمالية وإيران، فعندها بدأت الإمبراطورية الأمريكية بالانسحاب من دول الشرق الأوسط وتخفيف قواتها بالقواعد العسكرية الامريكية المنتشرة في دول العالم، و سحب بوارجها في محيطات العالم الكبرى، وهذي السياسة بلا شك لها تداعيات خطيرة في العالم، فانسحاب قوة أولى ليس بالأمر البسيط على الحلفاء، ولا سيما الأوروبيون، فبعد وصول الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، والذي يصنف من اليمين المتطرف، فهو استمرار لنفس سياسات أوباما، ولكن على الطريقة العنصرية، فذكر بأن الحلفاء يجب عليهم بأن يدفعوا إذا أرادوا الحماية، فأخذت أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا إلى الانتشار، والتي لاقت قبولًا لدى الشعوب الأوروبية.

ومن المستجدات أيضًا خطر التوسع الروسي، فالدول الأوروبية ترى في روسيا مصدر تهديد لها، لا سيما ألمانيا وفرنسا، فاحتفاظ الدول الأوروبية بحلف الناتو هو للخوف من روسيا وموازنتها في القارة، لا سيما بعد التدخل في أوكرانيا، وضم شبة جزيرة القرم، فأفكار بوتن التوسعية على حساب الدول الأوروبية هو هاجس كبير لها، كما نرى النفوذ الروسي المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط، وفي سوريا بالتحديد، هي خطوة لن تتجرأ روسيا بفعلها، لولا الانسحاب الأمريكي وإعطاء الضوء الأخضر لها لتتصرف بالمنطقة كيفما تشاء، فهذا نقطة ثانية لتفكير الشعوب بالتصويت للأحزاب اليمينية المتطرفة؛ لأنهم يرون أنهم مهددون في أي وقت.

ختامًا، نحن في مرحلة إعادة التوازنات في النظام الدولي، فنرى صراع بارد بين القوى الكبرى، فهي تريد بأن تصبح قوة في إقليمها لكي تحمي حدودها وأمنها، وحجز مكان لها في النظام الدولي الجديد، بحيث نرى التنين الصيني قوة لا يستهان به اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، الذي أخذ يناور في منطقة الصراع الجديدة بحر الصين الجنوبي، ويهدد حلفاء الولايات المتحدة اليابان وكوريا الجنوبية، ووصول دول مثل الهند والبرازيل التي تطمح بالعب مع الكبار في ترتيبات النظام الدولي المتأرجح، وكما ذكرنا التحرك الروسي نتيجة للفراغ السياسي الذي تركه القطب الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وطموحه لإعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي، لا سيما بعد وصول الرئيس دونالد ترامب الذي تجمعه مع الروس علاقة جيدة، وصرح أكثر من مرة إعجابه بالرئيس القوي حسب ما ذكر فلاديمير بوتين، ونرى كذلك صعود اليمين المتطرف فالولايات المتحدة الأمريكية، وتعامل ترامب مع قضايا اللاجئين والمهاجرين منذ الشهر الأول من حكمه، وتصويت البريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي توقع الكثيرون بأن مستقبل الاتحاد مهددًا بخروج الدول الأوروبية واحدة تلو الأخرى.

فتغيير توازنات القوى في النظام الدولي ـ من وجهة نظري ـ هو السبب المباشر لكل الأزمات والمشاكل والحروب في العالم، وما أزمات اللاجئين والمهاجرين وصعود وتنامي الإرهاب العالمي وفترة الازمات الاقتصادية من تضخم وبطالة وغيرها، إلا إفرازات وتداعيات للحرب الباردة في النظام الدولي، فأصبحت أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تتقدم بشكل ملحوظ لحفظ وبقاء دولها في الخارطة الدولية، فالمراقب للسياسة الدولية، يعلم بأن  الاتفاقيات والمعاهدات التي تعقد بعد نشوب الحروب والنزاعات ما هي إلا تضميدًا للجروح وليس الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تفكك الاتحاد السوفيتي ( ويكابيديا )
اليمين المتطرف
مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
أخبار مصر العربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد