مثلما  شقائق النعمان فلا تخطئه الأعين، وأن حضوره أو مروره أو اسمه يستجلب الأبصار كلها ويثير الأفئدة فلا يكاد يخلو حديث سياسي جزائري رسمي أو دونه من أحاديث العامة أو الصفوة دون ذكر اسمه أو مرور رمزية ظلاله أو ما يشار لسطوته ربما.

وربما الأقدار أيضًا مزجته مزجًا بألطاف المختار فاستجلبت مسارات بعينه ومنعطفات وقرارات ومصالحات وما لا نعلمه من قرارات ليضحى الشقيق مختارًا مستشارًا وبما أضحاه دون ذلك من سطوة واقتدار، وقد أضحى في مقلبه الآخر يستجمع من النقمات واللعنات ما تكتمه صدور قوم حزانى تراوحت أمانيهم بين السر والعلن وبين الحب والبغض، من معجبين حد الهوس ومن ناقمين حد الانتحار.

في الحقيقة لم يأبه الشقيق لما حوله كثيرًا ومضى في قضائه وقدر الأيام فاستمر فيما ارتضاه لنفسه من رؤيا والتزامات سكن الصمت وركب الظلال لعلمه أن لا شيء يدوم وأن جميعنا على الأهبة ذاهبين لم ينطق ببنت شفة طوال مساره الاستشاري والسياسي للميديا هنا وهنالك، ولم تكسر صمته تهم الفساد والديكتاتورية الاستحواذ التي طالته ولم تزعجه ميديا الصقيع وضيوفها التي تركن كل شيء على أكتافه خبط عشواء، ولم تثيره الإساءات العائلية وحملة الكذب التي ذابت سريعًا، فاكتفى الجميع وظل ساحر الظلال رهين صمته وقدره.

استمر ممتطيًا قدره بعيدًا عن الدوائر كما ساحر الظلال القريب البعيد، والذي يأتي ويغيب دون أثر، فلا يترك خلفه سوى القصص والحكايا بما يفرح أو يخيف، ظل بعيد فلا هو موجود سياسي تمامًا إلا بما يثيره اسمه، وهو موجود سلطوي تماما إلا بما يثيره منصبه، ولا هو موجود اقتصادي إلا بما تثيره صداقات افتراضية برتب رجل الأعمال والمال، ولا هو منظر ديطولوجي أو محلل سياسي أو مصلح اجتماعي إلا بما تثيره هالته التي صنعت بعيدًا عنه ربما تمامًا أيضًا.

لقد صنع لنفسه هالة أضحى صعب مع الوقت إزالة غماماتها لتتضح الصورة وأن ألسن معارضيه تصر أنه مقبل غير مدبر على رئاسة بقبض من أثر أخيه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وإن مقاسات قد تمت بين الكراسي الثلاث على القسم النوفمبري ودماء الشهداء على أن تحيي الجزائر.

ساحر الظلال، الشقيق لم يأبه بهالات المدح ولا مثالب الهجاء واكتفى كما أول مرة بالصمت والغموض، إنه الأصغر في آل الرئيس وإنه بئره السري الحكومي وكل ما تلا المصالحة الوطنية وتجليات العهد البوتفليقي الذي قارب العقدين وقد غلف بالسياسيات الجريئة والرئاسيات المثيرة والأزمات الأمنية والتهديدات لعل ما يسمى بالربيع العربي الآفل كان أشدها؟

وطوال الأزمنة التي راكبت خلفية المشهد التراجيدي بتوقيعه السر الدفين لا نكاد نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من المسيرة كلها للشقيق، إلا بما تعليه مبديًا معارضة في أرض الصقيع وأخرى مقربة في طينة الشهداء.

قدره وصمته الذي لم يتكلم

لقد شحذ ذكاءه وأضحي لصيق قدره مند ميلاده عند أواخر خمسينيات القرن العشرين إلى ما تلا مراحل أيامه الشبابية ودراسته وأيام غربته المرغمة وإن تقاربًا استثنائيًا قد عاشه الشقيق وقد ترك فيه أثره من ذاكرة الصبي الحالم وما تزال بقاياه تشحذ همته يقول عارفوه، استثناء كان اقترابه من نوفمبري لا يباهي اسمه هواري بومدين وقد جلب على شم الأنوف، اقتراب ترك حفرًا وطنيًا عظيمًا بقيمة الانتماء مند زمن أخيه الدبلوماسي وقد صاحبه صبيًا وشابًا فمثقفًا فسياسيًا والعاقبة لما هو آت.

وما تلا كان الشقيق مسافرًا يداعب بحقاقبه الظلال فاستقبلته الغربة واستمر طويلًا، عاش الابتعاد العائلي وترك الوطن وإرغامات أخرى لكنه اصطبر إلى أن عاد ترفعه أقداره مجددًا إلى تربته الأولى برتبته دكتوراه، ومكتف بأحلامه فلا تهزه الأسماء وهو طبعه الصامت الأول الذي لبسه الشقيق مند أيامه الأولى أيضا وما تلا، إلى أن أضحى أسلوبه في يومياته مثلما البسطاء.

عاد وفي الخضم مناضلًا بميولات اشتراكية ضد الظالمين وغاضبًا حقوقيًا تجرحه عذابات فلسطين، فنقابيا فأكاديميا فمستشارًا، وتجلى بوضوح مهامهه مند مطالع الألفية الجديدة إلى يوم الناس ظل كما ساحر الظلال هذا فلا تخطئه الأعين في حضوره أو مروره ولا يكاد يخلو حديث دون ذكره ولا نقاش دون سرده ومرور حالم إلى ضفة الأغنياء إلا وكان أقصى الأماني، وكأنه يسكن ما بين الجلد واللحم فلا يفارق.

وضعته الاستخبارات العالمية تحت المراقبة مند 2008 لجدارة ما كانت تخصهم؟ ربما بما فتحته الرئاسيات ذاك العام وأشياء أخرى، ووضعه عملاء أجهزة أخرى ونشطاء ما يسمى ربيعا عربيا قد أفل، وحلقات الإخوان المسلمين وبقايا السلط من الحركي والإقدام السوداء وفيس الأحقاد تحت خطط التشويه والهجوم والمراقبة لجدارة يرونه ربما أن الشقيق ساحر الظلال قد تنتظره أماني رئاسية أضحى الشقيق مؤخرا وكأنه مهيؤ لها، وهو من العالمين بأسرار ورجال وخيبات وأماني الكرسي والأحلام النوفمبرية الأولى ربما سرق بعضها فى المنعطف لكنها أبدا هي الأحلام التي لا تموت.

الرئاسية من الإعجاب والازدراء ورغبات الاقتراب والابتعاد في ثنائية غريبة عجيبة ربما ميزت فترة زمنية سياسية جزائرية برمتها. فقد ظل صامتا واكتفى، بل وغلب الإغراءات والاستفزازات وأشياء أخرى فلا أثر منه سوى مهامه القانونية الاستشارية بسلطة دستورية قد لا تعني الآخرين. لاسمه سطوة في السرايا ولهوامشه أثر في القرارات، ولقدره إثارة للجدل عما يخفيه.

لكنه كما شقائق النعمان فلا تخطئه الأعين واستمر في بهرجة اليوميات والأعوام والعهدات، فلم يتغير جبينه ولم ينطق صمته، بل إن قدره زاد فأضحى بهالات ساحرية على مقاسات المآلات المنتظرة، وأن أماني كثر علقت ومعاطف كثر أحضرت لعل رئاسة تحت القسم الجمهوري واحدة من أكثر الهالات سحرًا وانتظارًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك