كم جميل لو بقينا أصدقاء
إن كل امرأة تحتاج إلى كف صديق

كن صديقي..

الإنسان بطبعه يحتاج إلى إنسان آخر يشاركه حياته بكل أحزانها وأفراحها، إنسان يحمل عنه ثقل الدنيا وهمومها يساعده في محنه ويطيب جراحه ويستمع إليه بكل آذان صاغية، يقف إلى جانبه لمواجهة صعوبات الحياة ويعزز شعوره بالسعادة والفرح ويقدم له الدعم في مسيرة حياته، إنسان يستند عليه إذا ما مالت الدنيا عليه ويهرب إليه إذا ما أشهرت الحياة مخالبها في وجهه، إنسان يجسد المعنى الحقيقي للصداقة، الصداقة التي تحدث عنها أرسطو ودافع عنها الفلاسفة والمفكرين، صداقة الفضيلة التي يحب فيها الإنسان الخير لأخيه.

لكن الصداقة باعتبارها علاقة تقوم على المودة والمحبة، كانت وما تزال تصارع جملة من التعقيدات داخل مجتمع لا يعترف بالصداقة بين الرجل والمرأة، ويدخل هذه العلاقة ويصنفها ضمن العلاقات غير المشروعة وغير المعقولة،صحيح أن الآراء والمواقف تتعارض بين من يراها ممكنة ومتاحة ومن يحرمها ويفسر ذلك التقارب والارتباط الروحي على أنه قناع تختبئ خلفه الرغبات المتوحشة بدعوى أن المرأة في نظر الرجل فريسة وأن نظرته لها لا يمكن أن تقتصر على الود والاحترام وكل لقاء بينهما لا بد وأن يكون للشيطان بينهما مكان وكل علاقة بين جنسين لا بد وأن تتسم بالشهوة والرغبة الجنسية.

إنها الأفكار التقليدية التي يتبناها المجتمع العربي ويدافع عنها رافضًا كل الرفض الاعتراف بإمكانية نشوء علاقة بين جنسين، علاقة مبنية على الاحترام والود وصدق النوايا، علاقة تتلاقى فيها الأرواح وتتحاور فيها العقول، علاقة تضمن لكل طرف فيها الراحة والاطمئنان،علاقة حب أفلاطوني خالية من الرغبة والغريزة، في حين أنه قد يبدي كل التسامح والتعاطف مع علاقات حب قد تسبق الزواج.

مجتمع المتناقضات يرفض الاعتراف بعلاقة لا تشوبها شائبة، يتفاهم فيها الطرفان وينسجمان، يرفض الاعتراف بعلاقة تندرج تحت بند القيم والمبادئ الإنسانية، معتبرًا إياها جريمة لا ولن تسامحها التقاليد والأعراف، وذنبًا لا يغفره الدين الإسلامي الذي يحرم علاقة الرجل بامرأة أجنبية ولا يعترف بأية علاقة قد تربط بينهما خارج إطار الزواج.

لكننا اليوم في خلال هذا العصر الذي نعيشه، حيث لا مجال للفرار والهرب من واقع الاختلاط في مقاعد الدراسة أو العمل، استطاعت بعض العقول أن تتحرر من قيد الكبت والحرمان اللذان كانا يكبلان فكر الرجل وقيد الأفكار التقليدية التي صورت الرجل على أنه ذئب لا يرى في المرأة سوى جسد.

كثيرة هي العلاقات التي نشأت في العمل أو في مقاعد الدراسة واستمرت لسنين طويلة، وكثيرة أيضًا العلاقات التي نشأت في نفس الظروف لتنتهي بمأساة الوقوع في الحب أو الوقوع في الخطأ والرذيلة، لكن كل واحد منا مسؤول عن أفعاله، والإنسان اليوم في ظل الظروف التي يعيشها واجتياح مواقع التواصل الاجتماعي أصبح أكثر وعيًا ونضجًا وقدرة على التفريق بين الخطأ والصواب.

هنالك من العلاقات من تنشأ وتقوم على مبدأ قد يحدده الطرفان في بداية العلاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتكون بذلك علاقة قادرة على أن تتحدى كل التعقيدات وكل القوانين التي وضعها المجتمع، على الرغم من أن شبهة وتهمة الحب والنوايا المشبوهة قد تظل تلاحق الطرفين كما نظرة الناس المليئة بالريبة والشك وعلامات الاستفهام الكثيرة التي ستبقى تحوم حول طبيعة علاقتهما.

لكن، ولسبب ما نجهله، نجد أن النساء هن أكثر المشجعات لهذه الصداقة، بعكس الرجال الذين يعترفون بضعفهم وعجزهم على الوفاء بالصداقة وعدم تجاوز الخطوط الحمراء، وقلة قليلة تلك التي تؤيد هذه الصداقة وتحترمها، فإن نشوء مثل هذه الصداقات يتطلب وعيًا ونضجًا ومستوى عال من الثقافة والرقي الفكري وقدرة على التحكم في المشاعر والرغبات.

لا يمكن إنكار احتمالية تحول هذه العلاقة الشريفة إلى حب، وأن تتحول المشاعر العفيفة بشكل مفاجئ إلى مشاعر حب ورغبة في تملك الآخر، لكن هذا الأمر مرهون برغبة الطرفين، فهنالك من يرى أن الصداقة هي أسمى العلاقات وأن الحب لا يمكن أن يكون بديلا للصداقة التي تتيح لكلا الطرفين إمكانية التحدث في كل الأمور دون خوف ولا قلق، في حين أن الحب قد يفتح المجال للغيرة وبالتالي يفتح المجال إلى الكذب.

وفي النهاية، يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي «الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءًا منك ليس فيك» فإلى أي حد يمكن تطبيق هذه القولة على صداقة الجنسين؟ وما الذي ينقص هذه الصداقة حتى تكتمل. أو ما الذي يجعل كمالها جريمة؟

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد