شيخ الأزهر الشريف، الشيخ الشريف الطيب الدكتور أحمد الطيب – تقريبًا، ولله العلم هو الرجل الرشيد الوحيد الذي ما زال يتواجد على رأس مؤسسة مصرية.

 الشيخ الطيب أحسبه من النبلاء، فهو يدير الأزمات منذ اندلاع ثورة يناير بحكمةٍ بالغةٍ، ويحاول أن يجنب الأزهر الصراعات أولًا بأول، ويقف ليراقب من بعيد.

 يتعرض للانتقاد اللاذع من الجميع، لا أحد يعرف له المعروف والفضل، تحاول السلطة إخضاعه بشتى السبل بيد أنه شوكة في حلقها، فالرجل يعرف دوره جيدًا.

 يعاني من أزمة مع كل التيارات الإسلامية، برغم خوضه لصراعٍ شديدٍ مع الدولة لرفضه إصدار فتوى بتكفير التيارات الجهادية مثل القاعدة، وداعش، وغيرها.

 يعاني من أزمة مع التيارات المدنية سواء الإسلامية أم العلمانية، فأزمة السلفية مع الشيخ أزمة عقدية، وأنا لا أتطرق لهذا الجانب الآن إنما أتطرق إلى المواقف.

 أزمة باقي التيارات الإسلامية مع الشيخ أراها لا تعدو سوى أنها أزمة عشم فهم ينتظرون من الشيخ أن يتخذ مواقفهم، بينما منظور المسئول يختلف عن منظور الحر الطليق.

 الشيخ تبرأ صراحةً من عنف الدولة مرارًا وتكرارًا، وأعلن أنه لم يكن يعلم شيئًا عن بيان عزل الدكتور مرسي إنما حضر اللقاء، وفوجئ بالبيان، فقرر على إثره اعتزال الشأن السياسي.

 الإنصاف أن الشيخ ليس مجبرًا على اتخاذ موقف جماعة الإخوان المسلمين تجاه السلطة، إنما هو مسئول عن موقفه تجاه جماعة المسلمين، وأراه يفعل إلى حدٍ ما، ويبذل وسعه.

 ويبدو ذلك جليًا من بيانات الأزهر تجاه أزمة مسلمي الروهينجيا في بورما وميانمار، ثم خطابه الملقى أمام بابا الڤاتيكان البابا ڤرانسيس ثم بيانه جراء إعلان القدس عاصمة لإسرائيل.

 موقف مشيخة الأزهر تجاه القضايا التي تخص الدين عامةً مثل القرآن، والسنة النبوية، وفقه الأئمة، والتراث، والثقافة الإسلامية قاطبةً، وموقفه تجاه الأمة المسلمة في سوريا وغيرها من دول الحرب.

خوض الشيخ المعركة الجاسرة التي تسمى «تجديد الخطاب الديني» بلا هوادة ضد العلمانيين المدعومين من السلطة الحاكمة المغصوصة من الأزهر، وشيخه.

خوض الشيخ لحربٍ مستترة ضد فقهاء الفساد العميق بالأزهر مثل وزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، وكبار رجالات الأزهر الفاسدين فسادًا بائنًا أمثال علي جمعة مفتي الديار السابق وأتباعه.

خوض الأزهر معركة التراث، والتصدي للكاتب يوسف زيدان بشكلٍ واضح، والرد على إهانة الأخير للقائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، وافترائه حول مسرى النبي، وانكاره معلومًا من الدين بالضرورة.

إسدال الشيخ الستار عن المؤرخ الإسلامي الدكتور سعيد عاشور لدحض مزاعم المدعو يوسف زيدان.

أرى أن هناك أوجه شبه بين شيخ الأزهر، والسلطان قابوس حيث إن شيخ الأزهر يدير المؤسسة كما يدير السلطان قابوس سلطنة عمان في هدوءٍ، وحكمةٍ بالغةٍ وسط حزمة من الصراعات.

يبدو أن هناك كارثة توشك أن تحل بالأزهر وشيخه؛ حيث إن شيخ الأزهر لم يحضر احتفالية تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الحربية، والاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو (تموز)، ولم يتم إرسال ممثل عن المشيخة، وعلى النقيض حضر بابا الكنيسة الكاثوليكية، وباتريرك الكرازة المرقسية الأنبا تواضروس، مما يثير الريبة.

أرى أن حاكم مصر لا يحب شيخ الأزهر، ويحقد على التراث الأزهري، وعلى مشيخة الأزهر، وعلى الإمام الأكبر، وأرى أن حل المؤسسة بات قريبًا، حيث أن المستبد لا يستطيع أن يتحمل هيئة أو مؤسسة ذاتية الحكم «مستقلة» ليست تحت إمارته، وكان هناك الكثير من المعطيات التي تدل على نواياه الخبيثة.

الذي أثار حفيظته، وحقده على شيخ الأزهر هو بيان الأزهر حيال إعلان أمريكا القدس عاصمة لإسرائيل، وهذا الموقف يفشل له مخطط التطبيع الممنهج نظرًا لثقة عدد كبير من الشعب في الشيخ، وفي المؤسسة، وبالتالي سيؤثر على موقفهم الخبيث، وربما يحدث التفاف ما حول الشيخ أو الكيان.

ومن قبلها في صدره غصة من الشيخ جراء قضية الطلاق الشفهي الذي اعترض عليه الشيخ بشدةٍ، وحزم، وأصدر بيانًا واضحًا أبرز ما فيه الحكم الشرعي، وجملة لا تفسدوا على الناس حياتهم.

الكارثة أن مثل هذه المؤسسات إذا تم حلها لا تقوم لها قائمة؛ فحلها يعني نهايتها، وإن اختلفنا مع مواقف الإمام، وإن كنت أعترف أن الأزهر ينتهج سياسات خاطئة في الإدارة والتخطيط، وأن الأزهر يفرط في قيمته كل يوم إلا أن هذا كله يمكن إصلاحه وضبطه، إذا توافرت الإرادة، والحرية السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد