إن الاهتمام بالمستقبل سمة بشرية ترجع بالإنسان الى قدرات عقله ونشاطاته الذهنية، فالعقل البشري يتشوّف إلى ما غاب عنه، إذ ليس بمعرفة الغيب أو التنجيم، بل التطلع للمستقبل باعتباره شيئًا يجب بناؤه. فاستشراف المستقبل جزء من الثقافة الإنسانية ونوع من التفكير المنظم، وهو محاولة استكشافية وفق اهداف وخطط، ورؤية منهجية.

فعملية الاستشراف تقع ضمن القابليات لدماغ الانسان، وإن كل فرد لديه القدرة على التفكير حول المستقبل. وما إن يدرك الأفراد ذلك، حتى يبدأوا بغمر أنفسهم في مفاهيم وطرق وأساليب المستقبليات، قبل أن يبدأوا باستخدام المستقبليات أو طرق الاستشراف في أعمالهم[1].

والحديث عن استشراف المستقبل هو حديث عن نمط تفكير وأسلوب حياة ومنهج عمل، فالعرب عمومًا، والمسلمين خاصة، لم يخططوا لمستقبلهم كما يتوجب ذلك. والاهتمام به ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة يأمر بها الدين وتفرضها التغيرات المتسارعة التي يعرفها الواقع، فلم يكن ازدهار الحضارة الإسلامية والنهضة خلال العصور الذهبية، إلا أثرًا لاستشراف المستقبل في العهد النبوي. فالرسول الكريم صلى الله عليه مؤيد بالوحي الرباني والذي يفيض بالحكمة خير من استشرف وخطط وواجه الصعوبات والأزمات، واهتم بالمستقبل باعتباره صاحب رسالة كونية تستفيد من الماضي، وتتطلع لغد أفضل.

وسنته عليه الصلاة والسلام توضح لنا المساحة العظيمة التي أولاها للمستقبل استشرافًا وتخطيطًا.. وتقدم لنا نماذج حية، ومواقف حقيقية، من واقع حياته، باعتباره إمامًا وبشرًا مجتهدًا ينظر إلى المستقبل ويعدّ له ويخطط ويفكر فيه. وقد حث أصحابه على الاستفادة من الماضي وأخد العبرة من أجل التخطيط السليم، وذلك إما عبر الأسلوب المباشر، أو عن طريق ضرب المثل أو الحكايات أو القصص.

والمتأمل لسيرته يرى أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن غافلًا عن مستقبل دعوته، بل كان يفكر ويخطط، في حدود ما هيأه الله له من فرص، وما أتاه من أدوات[2]. فكان يتوقع احتمالات مستقبلية أحسن قبل اتخاد قرارات حاسمة، وأكبر مثال على ذلك، هجرته من مكة إلى المدينة.

فحديثه صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم حفر الخندق وهو يضرب بالفأس على الصخر ويرى ملك فارس وملك الروم، وإرساله الرسائل للملوك والرؤساء لدليل واضح على استشرافه لمستقبل الإسلام، والتخطيط المنظم لهذا الدين. ولنا في سيرته الكريمة أمثلة حية وتطبيقات رائعة لهذه المستقبلية الإسلامية والتي لا زلنا نعيشها إلى الآن ونراها جليًا في واقع الحال.

إن السنة النبوية حفظت كلامًا عزيزًا يكشف لنا عن أهمية النظرة المستقبلية والرؤية الاستشرافية مؤكدة أن المسلم قادر على تشكيل مستقبله وامتداد فعله حتى بعد الموت، وذلك بالولد الصالح، الذي يعد نبتة المستقبل، والصدقة الجارية، باعتبارها استمرار الامتداد والفعل والأثر بعد الموت والعلم المستدام الدائم العطاء، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا مات الانسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. وفي هذا دليل واضح لمسؤولية الإنسان تجاه حركة المستقبل استشرافًا وتطلعًا حتى بعد وفاته.

وقد أرشدنا عليه الصلاة والسلام إلى النظام الكوني وإمكان استشراف المستقبل بناءً على إدراك هذا النظام، ومن الأمثلة التي يشهدها التاريخ عن الأخذ بهذه القوانين والسنن الكونية ما قاله ورقة بين نوفل لرسول الله عليه الصلاة والسلام لما أتاه مستفسرًا مع زوجه أمنا خديجة) رضي الله عنها: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك. فقد استدل ورقة بالسنن الكونية التي لا تتبدل على إيذاء المبلّغ لدين الله والناصح للناس.

فقد عمل عليه الصلاة والسلام من خلال توقع المستقبل وأخطاره على تجنيب المسلمين الأضرار وأسباب الفرقة وأمراض النفوس، ومن ذلك قولته المشهورة والمتكررة: لولا ان أشق على أمتي لفعلت أو لأمرت بكذا أو كذا. وهذا تفكير مستقبلي لنتائج الفعل أو الترك. ومنه أيضًا تركه بناء الكعبة على قواعد ابراهيم – عليه السلام – وقال لعائشة رضي الله عنها: يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ. فاستشرافه لواقع الحال دفعه إلى ترك مصلحة ليأمن من الوقوع في مفسدة أعظم.

وقد علمنا عليه الصلاة والسلام أدب التعامل مع الاستشراف وذلك حين نتوقع أمورًا ما أنها ستكون فبقلبك ولسانك تربط ذلك بمشيئة الله تعالى، مهما كانت درجة الاستشراف وقوته تقر بأن التدبير مرهون ومشروط بإرادة الله التي أحاطت بكل شيء.

فقد سأل المشركون نبي الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف وذي القرنين فوعدهم بالجواب من الغد، فتأخر الوحي مدة من الزمن، ولما كان اليوم الخامس عشر نزل الوحي ببيان الجواب عما سألوه، وارشد الله رسوله الى أدب مهم من آداب التوقع فقال: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا[3]، فلا يكون شيء إلا بمشيئة الله.

فالسنة النبوية أسست للمستقبليات، ورفعتها الى درجة قيمة حضارية كبرى وأدمجتها في حياة الفرد والمجتمع. ولو استعرضنا سيرة الأنبياء عليهم السلام فسنجد أن النبوة قائمة على التنبؤ، أي العلم بأحداث المستقبل ولا يوجد نبي بلا نبوة أو تنبؤ، بل جميعهم يخبرون عن نبوءاتهم والحوادث المستقبلية، ويستبقون الزمان بوضعهم الخطط والبرامج التي تحصّن الناس من الفتن التي سوف تحدث لهم في المستقبل قبل أوانها (بعضها مما أطلعهم الله عليه. وبعضها من اجتهادهم)، ففي الأحاديث الشريفة والروايات المنقولة الكثير من الأحداث التي سوف تحدث في المستقبل منذ ذلك الحين، وبطبيعة الحال فتسديد الوحي واعلامه لرسول الله ببعض احداث المستقبل لا يعني إلغاء بشريته في البناء والتخطيط. فمحاولة قراءة عالم الغد ضمن حدود مستقبل قريب أو متوسط، ممكنة ومشروعة إذا ما استندت الى قراءة دقيقة للسنن العامة، وإذا ما اعتمدت قراءة علمية دقيقة لوقائع الحاضر واتجاهات حركته وموازين قواه، مع الحذر والاحتياط لمخاطر القراءة المستقبلية أو لإستراتيجية نضعها للتأثير في المتغيرات القادمة.

وإن الناظر لأحاديث الفتن وأشراط الساعة يجدها تحمل في طياتها نظرة للمستقبل وتدعو لفعل المقدمات المنجية والتخطيط القبلي، والاستعداد لما هو آت، والتحذير لما قد يقود للهلاك. قال صلى الله عليه وسلم: إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل[4] والفسيلة: النخلة الصغيرة، وفي هذا الحديث معنى عظيم ودرس بليغ، إذ لابد أن يكون المسلم إيجابيًا مشاركًا في الحياة بما يستطيع مقدما لها قدر إمكاناته تاركًا أثرًا يستنير به غيره. وفي ذلك أيضًا تحذير من الركون السلبي إلى ما وعدنا الله به وتوضيح لتقلبات الزمان وتداول الأيام. وكذا الوقوف على الثغرات الداخلية للأمة التي مكنت الداء من أن ينخر وحدتها وسلامتها.

ويمكن القول إن استشرف المستقبل والاخبار بما سيقع في قابلات الأيام (وهو الصادق المصدوق) جاء نوع من الإعجاز ولفت النظر لما يكون، واستشرافه من خلال مقدماته، من خلال استقراء التاريخ والتدريب على كيفية التعاطي والتعامل مع السنن والقوانين والانسجام معها والارتقاء بعد الإحاطة بها لتحقيق أكبر قدر من التسخير والتخطيط والبناء لمستقبل أفضل. فاكتساب النظر البعيد في شتى العلوم والقضايا أمر يحمده الشرع ويقره العقل وتقصده الحكمة. واستشراف المستقبل والتفكير فيه والتخطيط له استكمال لثلاثية الزمن، الماضي والحاضر والمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد