بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فإن أحدهم قد ذكر أمامي مقولة (كن ذا دين تسعد) مكررًا إياها تكرار المجرب الواثق من تجربته ثقة تصل حد الإيمان الذي لا شك معه قائلًا وقت أن يراني حزينًا عابسًا عبارات مثل (صل ركعتين – اسجد لله وخاطبه وابك بكاء المحب المستنجد – ويا ضيعة من لم يسجد لله لما تكالبت عليه الهموم)، إلا أن الكثير من الناس في هذه الأيام تصيبه نوبات اكتئاب وحزن وهو طبيعي، لكن غير الطبيعي أن لا تأتي ردات فعلهم إلا بالشكوى على مواقع التواصل الاجتماعي مستنكرين أي عباراتٍ من نوع (كن ذا دين تسعد) حتى إن إحداهن قد ذكرت أن صديقًا لها زار طبيبًا نفسيًا فكان مما أوصى به الطبيب أن أحسن علاقتك مع الله، فذكرت ذلك مستنكرة (هو ده اللي بتدرسوه في الطب النفسي) مما أثار غضبي.

هؤلاء الذين لا يعرفون لأنفسهم هوية ولا يضعون لأنفسهم تعريفًا صحيحًا بالكاد يمكن أن يذكروا الهوية كشىءٍ فرعي ليس من اهتماماتهم ولا أولوياتهم،كيف يعطون لأنفسهم حق رد كل شيء يذكر معه اسم الله؟

لكن وللأسف لم استطع حينها أن أرد على هذا الاستنكار إلى أن وفقني الله إلى قراءة كتاب أن تكون نفسك لـلدكتور «شريف عرفة» كتاب في علم النفس الإيجابي، فلفت انتباهي عنوان علاقة التدين بالسعادة، وجعلني أذكر ما أنكرته تلك المقلة من شأن هذا الطبيب.

ثم ربطت بين ما ذكر من عناصر أثبت في كتابه أنها تؤدي إلى السعادة وبين ما ذكره الإسلام من وجهة نظره الشمولية المتعلقة بجميع نواحي الحياة، ولعلي أذكر في هذا المقال بعض تلك العناصر وما هي وجهة نظر الإسلام فيها؟

أولا: مساعدة الناس والسعادة

من وجهة نظر علم النفس تقول د.سونيا لوبوميرسكي مؤلفة كتاب (the how of happiness) إن الذين يقومون بأشياء لطيفة من أجل الآخرين ترتفع درجة سعادتهم ورضاهم عن الحياة بشكل ملحوظ، وتنصح بأن تقوم بخمسة أشياء لطيفة من أجل الآخرين كي تكون سعيدًا فعلًا.

وأما عن هذا فإن فضله في الإسلام عظيم، والحث عليه ذكر كثيرًا، فتارةً يذكر في القرآن بصيغة الأمر كما في قوله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) {البقرة:195}. وتارةً يبين الله تعالى أن رحمته قريبةٌ من هؤلاء الذين يساعدون غيرهم ويحسنون إليهم بقوله (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ {الأعراف):56. ووعدهم الله بأنه لايضيع أجر عملهم الطيب هذا بقوله (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ {يوسف:56}). أما عن السنة فقد حث النبى(صلى الله عليه وسلم) على ذلك في أحاديث متعددة منها:

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة – شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج، والطبراني وغيرهما، وحسنه الألباني.

ومنها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة.

وهذه بعض مواضع اخترتها وإن شئت فعد إلى أصل الموضوع وابحث فيه.

ثانيًا: علاقة شكر الآخرين بالسعادة

فى 2010 قام مجموعة من علماء علم النفس بقياس هذا على 700 شخص فوجدوا أن شكر الآخرين يجعلنا أكثر سعادة ورضًا عن حياتنا ويقوي من علاقاتنا الاجتماعية.

وأما عن هذا في الإسلام: فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال – صلى الله عليه وسلم –: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من أتى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له) وغيرها من الأحاديث التي كثر ذكرها في هذا الموضوع.

ثالثا: عش متفائلًا تعش سعيدًا

يقول د. مارتن سليجمان (مؤسس علم النفس الإيجابي) تعلم مجادلة نفسك، بمعنى حين تجد صوتًا داخليًا يخبرك بعدم قدرتك على فعل شيء تعلم أن ترد بمنتهى الحسم بالضبط كأن تكون في مناقشة مع شخص سخيف يحاول أن يقلل من شأنك.

وفى هذا يقول الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام (لو أن أحدهم هم بإزالة جبل وهو واثق بالله لأزاله) ولعلنا جميعًا نعرف قصة النبي (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة لما قال له أبو بكر (يارسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدمية لرآنا) فقال (صلى الله عليه وسلم) بكلمات يملؤها التفاؤل والثقة بالله عز وجل (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا) وقد تخطى الاسلام مرحلة التفاؤل إلى حد اليقين حتى إنه (صلى الله عليه وسلم) في حديث أبى هريرة قال: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ لاه).

رابعًا: عش مثقفًا تعش سعيدًا

في 2011 نشرت دراسة نرويجية قام بها عدد من الباحثون بقيادة كوينراد كيوبرز على 50707 شخص أكدت أن المثقفين الذين يرتادون الأنشطة الثقافية ويتعلمون يكونون أكثر سعادة من غيرهم.

وهذا العنصر بالذات له مكانة خاصة في الاسلام بل إن طلب العلم في الإسلام حكمه بين فرض الكفاية وفرض العين، والله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ومعناها كما قال بن كثير «إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القديم أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر».

ومن السنة ما حفز على طلب العلم مثل قوله (صلى الله عليه وسلم): طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، صححه الألباني في صحيح الجامع.

ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم): «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

خامسًا: تزوج تسعد

وطبعًا المقصود بالزواج هنا المبني على تفاهم مشترك واختيار موفق وبيت يملؤه المودة وأزواج كلاهما سكنٌ للآخر كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). (21)

وقد أثبت علم النفس ذلك بتجربة استمرت 25 عامًا ظهرت نتائجها في 2010 حيث لاحظ العلماء مستوى السعادة لبعض الناس قبل وبعد الزواج فوجدوا أن المتزوجين من شريك حياة متزن عاطفيًا يرتفع عندهم مستوى السعادة بشكل ملحوظ، ولا يخفى على الكثير أن هذا ما ذكره الإسلام في مواضع عدة وحدد ضوابط اختيار الزوج والزوجة، فتارةً يحفز الشباب على الزواج بقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث بن مسعود: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وتارةً نجده يعطى للرجل الضوابط التي يختار على أساسها الزوجة ليضمن له نجاح زواجه، عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) وأعطى للمرأة حق القبول والرفض لهذا المتقدم لها.

وقد بين الإسلام بشكل لا يدع مجالا للشك أن أسعد متع الدنيا إنما هي في الزوجة الموفق في اختيارها، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) وما ورد أيضًا عن أبي أمامة: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله).

هذه هي بعض جوانب السعادة المذكورة في الكتاب والتي حاولت بقدر الإمكان أن أربط بين الحكمة المرجوة من قراءة الكتاب والهوية الداعية إلى قراءته الناطقة بأفكاره، ولعل ما ذكرت ليس بالكثير فقد طال البحث والكلام في هذا الموضوع ولست بأهل لأناقش فيه ولا بداعية كي أعظ الناس بشيء كهذا، لكنها تذكرة لي قبل أن تكون للقارئ الكريم المتفضل علي بقراءته، ولعله يكون جزءًا من الرد على تلك التي استنكرت علاقة التدين بالسعادة.

وأخيرًا ما أوصي به نفسي وإياكم.. أن ابحثوا عن الهوية داخلكم وعززوها فالأمل باقٍ ما بقيت الهوية حية لم تمت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد