ليست مسألة جيدة على الإطلاق أن تكون – على الدوام – الشخص القوي المتماسك، أن تكون الجدار الذي اعتاد المتعبون الاتكاء عليه لبعض الوقت، أن تكون الشجرة السامقة التي تقف بوجه الريح بثبات يعجز اللسان عن وصفه.

ليس جيدًا على الإطلاق؛ لأنك حين تشعر بالحاجة الشديدة للبكاء سيظن الآخرون أن بحة صوتك بسبب الإنفلونزا!

يحق لكل إنسان على وجه الأرض لحظة انهيار، لكن من اعتاد أن يراك قويًا باسلًا في أشد اللحظات صعوبة، في أكثر الأوقات حلكة، في أقسى المواقف وفي أفدح الأحداث؛ ليس بإمكانه أن يتقبل أنك بنهاية الأمر إنسان مثله. إنسان قد تمر عليه لحظات يشعر فيها بالتعب من كونه قويًا، من كونه اليد التي اعتادت أن تربت على أكتاف الجميع وتمسح أدمع الجميع.

ليس ذنب الآخرين أنك تتميز عنهم بميزة ظلّت تصب في مصلحتهم وليس في مصلحتك، ليس ذنبهم أنك كنت شخصًا قويًا ومتماسكًا بوجه الحياة في الوقت الذي كان فيه الانهيار خيارًا متاحًا للجميع ومقبولًا من الجميع. هم وإن لم يخبروك بذلك، إلا أنهم يشعرون بأنه يتوجب عليك أن تدفع ضريبة كونك مميزًا ومختلفًا وقويًا. هكذا يسير الأمر، هذه هي الحياة ببساطة، لكنك اكتشفت ذلك متأخرًا بعض الشيء، ولا بأس بذلك على الإطلاق، إن ذلك يعني أنك تملك من الخيرية ما يجعلك من المتأخرين بفهم شرور الحياة.

لهذا السبب لن يدرك أحد أنك كنت – فقط – بحاجة للانهيار. ويا للبؤس؛ لا يمكنك لومهم على ذلك، فأنت من فعل ذلك بنفسك، أرجو ألّا تقسو على نفسك وتضيف هذا الخطأ إلى قائمة أخطائك!

حين تقرر أن تواجه الحياة بثبات وصلابة؛ ستختبرك بأقسى طريقة ممكنة، سترمي بك في بؤرة الألم لتختبر صمودك، لتمحصك من الداخل، لتضعك رغمًا عنك بمواجهة مع خياراتك في الحياة، وكلما ازددت ثباتًا على خيارك بأن تكون خيّرًا قويًا وصلبًا ومتماسكًا ستزداد حدة النكاية من الحياة بك، هذا ما تفعله الحياة على الدوام، إنها لا تُغيّر من خططها مطلقًا، أنت من عليه أن يتغير ليرغمها على تغيير خططها تجاهك.

ومن ضمن الخطط بمواجهة الحياة أن تدرك أنه ليس ثمة حرج أن تشعر بالحاجة للانهيار، بالحاجة لأن لا تكون أنت ولو لدقائق معدودة، ذلك ثمن تدين به الحياة لك فأرغمها على دفعه لك، أرغمها أن تجعل الآخرين يفهمون أنك لست سالم الزير إلا أنك قطعًا لست لست جُحدر!

أظننا بأننا لن نغادر فناء الحقيقة إن زعمنا بأن هذا الأمر ليس حكرًا على مسألة القوة والتماسك في الإنسان، إنه وثيق الصلة بكافة أقواله وأفعاله. لأن كل قول أو فعل للإنسان يعود لصفة فيه، ومن المهم أن يدرك الناس أن تلك الأفعال أو الصفات فيهم ليست مطلقة، لأن كل ما يتصف به الإنسان، وما يصدر منه من الأقوال والأفعال هي مزيج بين خير وشر. الإنسان ذاته هو مزيج بين الخير والشر.

دع الآخرين يدركوا أنك لست ملاكًا ولا شيطانًا، لست أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – ولا مسيلمة الكذاب، لست موسى بالطبع ولا فرعون. لست الشجرة ولا الحطّاب.

أنت لست ماءً ولا ترابًا، بل قبضة من طين، قبضة تحمل الخير بكل أوجهه المحتملة وتحمل الشر بالقدر ذاته وبالاحتمالات ذاتها المتاحة لأوجه الخير. قبضة تكون صلبة أحيانًا حد أن تشج رأس أحدهم في لحظة غضب، وفي لحظة أخرى قد تصبح لينة متسامحة سهلة التشكّل، لأن الطين ليس صخورًا ولا ماءً، لكنه يحمل خصائصهما معًا بالوقت ذاته، لذلك لا تحاول أن تكون صخرًا على الدوام ولا ماءً على الدوام. عد لكونك بشرًا، تحسس الطين بداخلك.

لن يكون بإمكانك مطلقًا أن تنحاز للخير على الدوام، فأنت لست ملاكًا. قد تنحاز للشر لجهل منك أحيانًا، وستجد بنفسك ما يرغمك على عدم الانحياز الدائم للشر، لأنك ببساطة لست شيطانًا وإن أوهموك بذلك.

ليس بإمكانك أن تكون قويًا دون أن تختبر لحظة ضعف ولحظات هزيمة وانكسار، ليس بمقدورك أن تظل قويًا متماسكًا وأنت تمنح التفهّم للآخرين دون أن تسمح لهم أن يتفهموا حاجتك الإنسانية لأن تكون ضعيفًا أو قاسيًا، شريرًا أو أنانيًا.

 لتكون إنسانًا؛ عليك أن تتقبل – أنت قبل الآخرين – حاجتك لأن لا تكون قويًا على الدوام، ولا طيبًا على الدوام، ولا حتى متسامحًا على الدوام.

لتكون إنسانًا؛ عليك أن تخطئ أحيانًا لتشعر بلذة الغفران من الآخرين كما قدمته لهم، أن تنهار لتتكئ أنت أيضًا على ذاتك وتهدهد نفسك وتربت على كتفيك. عليك أن تقبل فكرة أنه ليس من الضروري أن تكون جدارًا يسند الجميع في حين  يرفض الاتكاء على سواه، عليك أن تفهم أنك مهما حاولت؛ فلن تصبح خيّرًا على الدوام ولا شريرًا على الدوام.

ولأن «كلنا هذا الإنسان»، علينا أن نُدرك أننا لسنا جدرانًا، لسنا شجرًا. نحنُ ببساطة بشر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد