الغريب هو نعت قد نصف به شخصًا، شيئًا، أو فكرة، ومن خلال كل نوع من هذه الأنواع قد نصف به جماعة، مكانًا، أو عقيدة. نحن إذن أمام حالة غير مفهومة، أو غير منسجمة مع المحيط.

الغريب إذن متهم مع من يمثله أو ما يمثله، ولا بد أن يوضع في قفص، لأنه ببساطة لم يتمكن من التخلص من الحالة الخاصة التي مثلها. الأمر شبيه بأن تسير في صحراء لتجد وسطها شجرة أرز مرتفعة في السماء، هو أمر غريب حقًا. ستقول منذ البداية إنها ضربة شمس أو سراب.

الغريب عنوان رواية لألبير كامو، الأديب المشهور الذي كانت حياته وكتاباته حدثًا غريبًا، وهو نفسه رغم كل الشهرة الأدبية التي حظي بها، إثر منجزه الأدبي والمسرحي، ومسيرته النضالية، وفكره «العبثي»، كان غريبًا حقًا مع محيطه اليساري الذي بدأ معه، ثم مع حزب الشعب الجزائري الذي انخرط فيه وساهم في حراكه السياسي ضمن «حركة اللاسلطوية»، أو مع زملائه من الأدباء ككاتب يس، مولود فرعون، الذين كانت لهم في البداية رؤية مشتركة. كل هذه المحاور التي اشتغل عليها كامو تقاسم معها شيئًا، واختلف معها في أمور كثيرة.

كان المشترك غالبًا هو الجزائر، «الغريب» أنها – بالنسبة لما وقع – كانت مسرحًا للأحداث، ولم تكن وطنًا.

ليس الأمر غريبًا بالنسبة لنا اليوم، لأن عجلة التاريخ  آنذاك تحركت، وانطلقت بسرعة هائلة. بقي أن أناسًا حددوا وجهة القطار، وآخرون قطعوا التذكرة ولم يركبوا، وآخرون ركبوا، ولم يعرفوا وجهة القطار، وآخرون آثروا البقاء حيث هم. أظن الأمر حدث على هذا النحو.

الغريب ما يحدث اليوم. خاصة في السنوات الأخيرة في الساحة الإعلامية، ولا أقول الثقافية أو الفكرية في الجزائر، من نقاشات صاخبة تقودها نخب وشخصيات تشعرك بالغربة، لأن كلًّا منها يروج لاتجاه سياسي ما أو معتقد فكري، مدعيًا أنه هو الحقيقة المطلقة، وأن كل ما عداه لا يحق له أن يوجد. هذه الأطراف أصبحت تتحصن داخل قلاع عالية عليها مدافع كبيرة فوق تلة عالية، مقابلة لتلال أخرى عليها قلاع أيضًا بمدافع، والكل يتراشق. هذه حقيقة وضعية غريبة.

للجغرافيا المشتركة هوية خاصة تذيب كل الاختلافات، ربما كان هذا وهمًا غير أني أرجو أن يكون حقيقة. للتاريخ المشترك هوية خاصة تذيب كل الاختلافات، ربما كان هذا وهمًا غير أني أرجو أن يكون حقيقة. للغة المشتركة هوية خاصة تذيب كل الاختلافات، ربما كان هذا وهمًا غير أني أرجو أن يكون حقيقة. الغريب أننا أصبحنا نختلف حول الجغرافيا، التاريخ، اللغة.

عادة ما يبدأ الأمر مع نكران الذات، حينما لا تشعر بوجودك، لأنك نسيت، أو لا تريد أن تفكر في سؤال هو: ما الذي يصنع وجودي؛ هل هو الماضي الذي حدث؟ أم الحاضر الذي يحدث؟ أم القادم الذي لم يحدث بعد؟

أظن أن وجودي لا يتحقق إلا بما أنجزه حين أتفاعل مع ذلك الماضي، أو هذا الحاضر، أو ذاك المستقبل.

المشكلة تحدث حينما أجلد ذاتي التي تُفكِّر أو تحاول أن تفكر، لأستورد قالبًا جاهزًا ثم أزعم أنه حل، وحل يمتلك الحقيقة المطلقة، حينها سأكون قد بنيت قلعة عليها مدافع، وقررت أنها جزيرة عليّ حمايتها.

ما حدث حين أعلنت قسنطينة عاصمة للثقافة العربية، من خصومة حول عروبة قسنطينة، ثم حول مفهوم العروبة، كانت نتيجته التهكم بتمثال ابن باديس ثم سحبه من الساحة الكبرى.

أو حين أعلنت الأمازيغية لغة دستورية انتهت بالحديث عن القومية الوطنية، أو الثقافة الوطنية الأصلية أو الوافدة. أو حين جاء كل من ماكرون وأردوغان للجزائر؛ فأثار كل منهما حديثًا حول الماضي الاستعماري للفرنسيين ورفض زيارة ماكرون، أو الماضي العثماني للأتراك ورفض زيارة أردوغان.

أظن أننا أمام مشكلة تعيشها الأطراف المتصارعة في الساحة الإعلامية، بما تخلفه من استقطاب للجمهور. تعيشها مع نفسها أولًا، فتجلد ذاتها من جهة، حين تهاجم أطرافًا يشتركون معها في أمور، ويختلفون في أخرى.

ذلك الغريب الذي كان بطل رواية كامو؛ رغم غربته عن محيطه قتل الآخر لمجرد أنه لا ينسجم مع محيطه الأوروبي، ولم يتفهم سبب العراك الذي قام بينه وبين صديقه. ولم يتفهم وجوده على الشاطئ في تلك اللحظة بالذات فقرر في لحظة غير مفهومة، وإثر قرار متعجل قتله. ما يحدث شبيه بهذا غير أنه قتل أدبي.

علينا أن نتساءل أكثر عن كيفية تطوير وجودنا، ثم في كيفية مشاركتنا في إثراء هذا المحيط العالمي من حولنا، ووجودنا لن يتحقق إلا حينما نتصالح مع أنفسنا، مع ماضينا.

علينا أن نتصالح مع أنفسنا، مع ماضينا، مع اختلافنا، وأن نقف على ما يجمعنا أكثر من التفكير فيما يفرقنا، وأن نؤسس لقاعدة وجود مشتركة لن تكون إلا قاعدة تمدنية، مبدؤها: أن نبتكر من هذا الاختلاف ما يصنع تميزنا، تفوقنا، نجاحنا.

لا تحدثني إذن عن هويتك، أنجز بها ما يصنع تميزنا. حينها لن نشعر  أننا غرباء في وطن واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد