ما إن أوشكت شمس سنة 2017 على الأفول حتى اندلعت في إيران في الثامن والعشرين من شهر ديسمبر المنصرم موجة من الاحتجاجات الشعبية ذات طابع اقتصادي واجتماعي بالأساس، وذلك في الوقت الذي لا يزال فيه النظام الإيراني منتشيا بالنجاحات التي حققها في مختلف الجبهات التي يتدخل فيها سياسيا وعسكريا، بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

تصدير الثورة أو إطعام الجائعين؟

ما يحدث في إيران أعاد إلى ذاكرة البعض التصريح الذي أدلى به حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد، سنة 2015 إلى وكالة أنباء (فارس)، والذي يقر فيه أن (إيران تسيطر فعلا على أربع عواصم عربية كمال قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو). لا شك أن الأحداث الأخيرة في إيران ستدفع أي مسؤول رسمي إيراني إلى التفكير أكثر من مرة قبل الإدلاء بالتصريحات الاستفزازية التي تعطي إيران حجما أكبر من حجمها الحقيقي.

كما أضحى عديد المراقبين يتساءلون عما إن كان نظام طهران قادرا فعلا على السيطرة على ثورة ألوف الإيرانيين الذين اختاروا النزول للشوارع تعبيرا عن نفاذ صبرهم تجاه الأوضاع الاقتصادية المزرية التي يعيشها قسم هام من الشعب الإيراني، في الوقت الذي تضخ فيه الحكومة الإيرانية ملايين الدولارات لحلفائها المعلنين في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ولخلاياها النائمة في بقية الدول العربية.

أليس من الأجدر بالنظام الإيراني توفير مقومات العيش الكريم لشعبه لضمان حد أدنى من التماسك بين مختلف مكونات المجتمع الإيراني المنقسم عرقيا ومذهبيا، أم أن منعة إيران وقوتها تستمد من عدد العواصم العربية التي تسقط بقبضتها، وعدد المستبصرين الذين يهتدون للإسلام في نسخته الشيعية، وعدد الخطابات النارية التي تتوعد أمريكا بالموت وإسرائيل بالزوال؟

لا غزة ولا لبنان.. حياتي لإيران

هتفت بهذا الشعار حناجر مئات الإيرانيين في مشهد وطهران وغيرها من المدن الإيرانية. ينبئ ذلك بولادة جيل جديد يريد أن تكون موارد إيران للإيرانيين، كما يريد القطيعة مع إرث تصدير الثورة الذي توارثته الأجيال الإيرانية منذ سنة 1979، تاريخ عودة آية الله الخميني إلى إيران من فرنسا مؤسسا لمرحلة الجمهورية الإسلامية بعد الإطاحة بالشاه العلماني محمد رضا بهلوي.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد قطاعات واسعة من الشباب الإيراني مهتمة بإحياء المناسبات الدينية القائمة على تأجيج الأحقاد ونبش الخلافات التاريخية القديمة واستحضارها كأنها وقعت للتو، بقدر اهتمامها بتحسين ظروفها المعيشية والحصول على الحد الأدنى من العيش الكريم.

أصبح الحديث عن المظلومية التي يتعرض لها المواطن الإيراني الذي يدفع من جيبه ثمن المغامرات التوسعية لحكومته، أكثر إلحاحا من الحديث عن مظلومية آل البيت، كما أصبح لعن السياسيين الفاسدين أوجب من لعن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يقتضي ذلك المذهب الشيعي.

لم يعد بإمكان المواطن الإيراني البسيط القبول بأن تهدر حكومته مواردها المالية الضخمة على أمراء الحرب ومليشيات المرتزقة خارج إيران وأن ترسل بالشباب الإيراني ليلقى حتفه في سوريا والعراق واليمن بتعلة أن طريق القدس يمر عبر تلك الأماكن كما صرح بذلك أكثر من مسؤول عسكري وسياسي إيرانيا كان أو دائرا في فلك إيران.

هل من المشروع أن نحلم بربيع فارسي؟

لا شك أن قطاعات واسعة من الشعب الإيراني، إضافة للأنظمة التي تعادي إيران ناهيك عن كل من اكتوى بنار التدخلات الإيرانية في سوريا والعراق ولبنان واليمن يتمنى أن يهب الربيع على حكام إيران الذين سبق لهم، وأن أيدوا هبوبه على بعض الدول، وبذلوا ملايين الدولارات ومئات الأنفس الإيرانية لمنع هبوبه على دول أخرى، حسبما تقتضيه مصلحة النظام الإيراني بمعزل عن مصلحة شعبه.

إن مصلحة الشعب الإيراني والمنطقة عموما تحتم علينا رفض كل ما من شأنه أن يزيد في تفاقم الأوضاع في إيران، ويكرر فيها ما حدث في ليبيا وسوريا واليمن. النظام الإيراني قادر على حماية استقرار إيران والمنطقة وذلك بالتخلي عن رغبته المحمومة في الهيمنة على العالم العربي والإسلامي، وإعادة بناء مجد كسرى على أنقاض العروبة والإسلام السني.

من حق إيران أن تسعى لتكون قوة إقليمية إن كانت تملك المؤهلات الفعلية للعب ذلك الدور، ولم تعبد طريقها نحو القمة بجماجم المستضعفين الذين طالما ادعت الدفاع عنهم. لكن إن أصر النظام الإيراني على المضي قدما في مغامراته غير المحسوبة وبناء علاقاته السياسية على أساس الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للغير، فإنه لن يكون أفضل حظا من سائر الأنظمة الاستبدادية التي سادت، ثم بادت بين عشية وضحاها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد