مارس الكرد نشاطًا سياسيًا معارضًا لأغلب الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق طيلة القرن المنصرم ونالوا نصيبهم من الحصار والقمع كغيرهم من مكونات الشعب العراقي إبان الحكم الديكتاتوري الذي جثم على صدور العراقيين سنين  طويلة، مما دعاهم عدة مرات للمطالبة بإنشاء دولة ووطن قومي يرعى كيانهم ويكفل لهم جميع  الحقوق، ولم يفلحوا بالحصول على دولتهم المستقلة كما هو الحال بالنسبة لأبناء جلدتهم الموزعين بين تركيا وإيران وسوريا.

وبعد سقوط نظام حزب البعث الحاكم في 4/9/ 2003 دخل الكرد كطرف مشارك في العملية السياسية الديمقراطية في العراق الجديد ومشاركين في كتابة الدستور العراقي الاتحادي والانتخابات البرلمانية حاصلين على حقوقهم الدستورية وأكثر، متمتعين بحكم فيدرالي لا تضاهيه حتى أية كونفدرالية في العالم كأنهم دولة بحد ذاتها لا ينقصها شيء سوى الإعلان عنها والاعتراف بها غير مكتفين بمناطق الغالبية الكردية من العراق وهي المحافظات الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك ليطالبوا بالمناطق متعددة القوميات بعضها ذات غالبية عربية وبعضها ذات غالبية تركمانية مثل مدينة كركوك وطوز خورماتو وسنجار وسهل نينوى وجلولاء وخانقين، هذه المدن المسماة بالمناطق المتنازع عليها والتي ضبطت دستوريًا بالمادة 140 فكان الحكم فيها مشتركًا بين الحكومة الاتحادية في بغداد وبين حكومة إقليم كردستان في أربيل.

فمكتسبات الكرد بعد عام 2003 باتت واضحة لكل متتبع من الداخل والخارج بدءًا من رئاسة الجمهورية التي أعطي منصبها للأحزاب الكردية على مدى ثلاث دورات انتخابية مرورًا بحقائب الوزارات السيادية ومختلف المناصب ومشاركتهم بكل مفاصل الدولة العراقية وإدارتها مع شركائهم وحصولهم على نسبة السبعة عشر بالمائة من واردات النفط العراقي مع احتفاظهم بواردات الإقليم من المنافذ الحدودية والمطارات والسياحة وغيرها، وشهدت العلاقات بين حكومة الإقليم والمركز شدًا وجذبًا طيلة الأربع عشرة سنة الماضية وخلافات حادة دفعت ببعض ساسة الكرد إلى العزف على وتر الانفصال وعودة حلم الدولة الكردية ملوحين بفكرة إقامة استفتاء لانفصال إقليم كردستان غير آبهين لموقف حكومة المركز المنشغلة بمحاربة أعتى تنظيم إرهابي متطرف عرفه العالم مدافعة عن وحدة البلاد وسلمها ومقدمة تضحيات جسامًا انحنى العالم بأسره لتبجيلها ومحققة انتصارات شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء.

واستمرت مواقف التصعيد من قبل رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني ومن وافقه من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بإعلانهم عن إقامة استفتاء للانفصال في اليوم الخامس والعشرين من شهر أيلول الماضي كأنهم قد صموا عن سماع كل دعوات الرفض والتأجيل لهذا الاستفتاء الذي لم يحظ سوى باعتراف ودعم الكيان الإسرائيلي، فجوبه بردود الأفعال الرافضة له داخليًا وإقليميًا ودوليًا فقد صوت البرلمان العراقي الاتحادي على عدم مشروعيته وأن نتائجه غير ملزمة ولا تترتب عليه أي أمور في موقف كان مشاطرًا لموقف رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي والمحكمة الاتحادية في بغداد، وإقليميًا فقد اعتبرته كل من تركيا وإيران وسوريا تهديدًا لأمنها القومي داعية لمواجهته على كل الصعد أما دوليًا فقد جاء الرفض جليًا على لسان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة – ستيفان دوجاريك – في بيان أوردته وكالة أنباء «سبوتنك» الروسية معتبرًا إياه «قرارًا أحادي الجانب ينتقص من الجهود الرامية إلى هزيمة تنظيم داعش الإرهابي» وداعيًا بدلًا عنه إلى حوار منظم بين حكومتي الإقليم والمركز».

لكن كل هذه المواقف الرافضة لم تثنِ السيد مسعود البارزاني المنتهية ولايته منذ ثلاث سنوات ليظهر متوعدًا «بأن الحدود الجديدة في المنطقة ترسم بالدم» في تصريح نقلته عنه صحيفة «الحياة» اللندنية، عن استفتائه الذي ولد ميتًا بسبب عدم إجماع البيت الكردي على إقامته فدعوات رفضه وتأجيله كانت بينة من قبل حركة التغيير الكردستانية والجماعة الإسلامية وأطراف كردية أخرى.

فكان الاستفتاء بمثابة المسمار الأخير في نعش التفاهمات والتوافقات مع شركاء الأمس الذين قرروا أن يلقنوا «الانفصاليين» من الكرد درسًا يصعب نسيانه فقد لملم البرلمان العراقي شتاته ليصوت على حزمة من القرارات تضمنت غلق المنافذ الحدودية للإقليم مع دول الجوار وتعليق الطيران من وإلى الإقليم وإصدار أوامر قضائية لإلقاء القبض على أعضاء مفوضية الانتخابات في إقليم كردستان وفرض هيبة الدولة في المناطق المتنازع عليها، مما استوجب توجه القوات العراقية إلى مدينة كركوك وطوز خورماتو ومناطق أخرى وطرد قوات البيشمركة وانسحابها لحدود الإقليم قبل التوسع فقد ربح رهان حكومة بغداد على المواقف الكردية المعارضة لسياسات البارزاني الذي بلغ نقطة اللاعودة بين أمرين أحلاهما مرّ؛ فإما الاستقالة وإما الاعتراف بالذنب والرجوع إلى حضن الوطن الواحد وإن كان غير مرحب به، فمذكرات إلقاء القبض وصلت لنائبه كوسرت رسول وصديقه البيشمركة القديم نجم الدين كريم الذي لم يعد محافظًا لكركوك أما رئيس حكومة إقليمه نيجرفان فاختصر الحال، بقوله «لا أصدقاء سوى الجبال».

فلا يختلف اثنان على أن الاستفتاء قد عمق الخلاف بين الأطراف الكردية فضلًا عن دوره في تأجيج الخلافات مع الشركاء في بغداد، تداعيات الاستفتاء التي لم تقو أعين «مام جلال» أن تراها فقرر أن يرحل بصمت وسط ضجيج دعوات الانفصال التي حذّر رفاق الجبال من خطرها منذ زمن بعيد، انقسام في الموقف الكردي أفقد السيد مسعود برزاني وحزبه زمام المبادرة وجعله بين مطرقة معارضيه من الكرد وسندان حكومة بغداد التي كاد أن يفقدها فرحة الانتصار والقضاء على تنظيم داعش.

فخطوة الاستفتاء «الخاطئة» فرصة ثمنية لبغداد لإزاحة العائلة البارزانية وتحجيم دور الديمقراطي الكردستاني الذي تفرّد بحكم الإقليم طيلة الفترة الماضية ليحل محله دور السليمانية التي ما زالت تحتفظ بشيء من مواقف الرئيس الراحل جلال طالباني في نبذ دعوات الانفصال والحفاظ على العيش المشترك في العراق الواحد، هذا إن لم تصبح إقليمًا جديدًا منافسًا لأربيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

www.sasapost.com
عرض التعليقات
تحميل المزيد