هل التاريخ يعيد نفسه؟ هذا السؤال وغيره، جعلني لسنوات في حيرهٍ زائغة، وضلالهٍ مضنيه، وشكوكٍ ممزِقه، كان كل همي أن ألتمس بصيصًا أهتدي به إلى مخرجِ ينجيني من ظلماتِ إجاباتِ معلبه وردودٍ محفوظة وأفكار متوارثة أضفي أصحابها عليها القدسية.
مما جعلني أمضى على نهج سقراط الذي قال أرسطو عنه يومًا: أنه كان يثير المشكلات، ثم لا يقدم لها الحلول؛ ولم يكن سقراط غافلًا عن حقيقة موقفة السلبي هذا، ولكنه أيقن أن رسالته الحقيقة هي في تطهير العقول أولًا، لعلها بعد ذلك تتهيأ الحق. (1)
كان محقًا أن بذر بذور الحق والحقيقة لعلها يومًا تنبت نباتًا يبدل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء والمنهج غير المنهج.
ولن أمض على مساره حتى نهاية شوطه، بحيث لا أجيب عن السؤال المطروح، لكنى أحوم حوله؛ حتى لا تكون إجابة مباشرةً، بقدر أن أجد ثمة حوار يدور بين كلماتي وبين عقل القارئ.
فالناس التي لا تجيد فن التعامل مع التاريخ عندي على أربعة أنواع:
الأول: من يظن أنه عالم بسره، مطلع على خفية، صفحاته مطوية تحت إبطه، أحداثة محفورة في لوح مثبت أمام عينيه، كمن ينظر من على قمة جبل فيجعل الأشياء في سفحه ضئيلةً لا تُرى، ساكنة لا تتحرك، حقيرة لا تؤثر، متسرع في حكمة، ولا يأتيك إلا بالتعميم، ولا شيئًا سوى التعميم، والغالب على لسانه: لم يحدث هذا في التاريخ مطلقًا؟ لم تنتصر فئة كذا (وصفًا لا اسما) على فئة كذا (وصفًا لا اسمًا) أبدًا؟
فهذا رؤيته خاطئة، ومقالته غير صائبة، دعك منه فهو لا يعدو إلا أحمقا ثرثارًا.
الثاني: صاحب (الأيديولوجية) سواء بسواء: إسلامية أو ليبرالية أو علمانية، فهذا هو السجين الحقيق، غواص في بحر لجي، لم يبق له من أدوات فكره ذرة هواء يتنفسه، فهو يقرأ، ويقرأ لا لكي يتعلم ويؤسس على قراءته بنيان أفكار، إنما يكون قارئًا نهمًا لكي يطوع ما يقرأه ليخدم (إيديولوجيته)، ويلوى أعناق النصوص ويسطح الأحداث التاريخية تارة، ويبحر إلى عميقها تارة آخرى، لكي توافق هواه، حتى يرضي نفسه ومن معه وبعضهم يزدرد التاريخ ازدراد العجلان، يلقي بالنظرات العجلي، ويعب من الصفحات عبًا سريعًا، لكي يثبت أن (أيدلوجيتهم) هي الحق الذي لا حق سواه، وغير مسموح لأعينهم على أن تتفتح على غيره لتراه.
من هؤلاء أصحاب (الإيديولوجية) خصوصًا الإسلامية منهم، عندما تناقشه، فتجده ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين، يقول بحماسة القاطع لأمر لا يقبل فيه نقاشًا: بهذه المعطيات التي بين أيدينا من ابتلاءات، وفتن وتمحيص و… فنحن إذًا في العصر المكي من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا بليته الأهون هواه كما هي مصيبة أصحاب الأيديولوجيات، وأما بليته الأعظم الانعزال، يعيش بحسده في عصرنا، وفكره يسبح في كهف الماضي مصنوعا من نسج خياله.
الثالث: الذي يرى التاريخ مجرد إحداث مضت لا تعنيه بشئ فيقطع معها كل وشيجة، ويضرب بينها وبينه ألف حائط وحائط، قاطعًا جذوره بيديه، ولا أرى هذا إلا كدمية أدركت للتو أن حركاتها وأفعالها على غير إرادة منها، تلك الخيوط التي كانت مصدرًا للحياة، أضحت اليوم قيودًا لابد أن تتحرر منها، حاولت مرارًا بجهد بالغ أن تقطعها، مع كل خيط ينقطع تحس الانتصار، حتى آخر خيط، جثت ككومة هامدة بلا حراك.
الرابع: الذي يرى أن التاريخ يُعيد نفسه وتتكرر أحداثة بحذافيرها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، ومن أبرز الأمثلة، هؤلاء القائمون على أمر الثورة الفرنسية كانوا على قدر كبير من السطحية عندما حاولوا الرجوع المستمر إلى أمثلة من تاريخ اليونان والرومان، وكذا الحال في الثورة المصرية التي أنهك القائمين عليها الولوج إلى التاريخ لكي يخط منه طريقًا للمستقبل، وهؤلاء وأولئك كمن غرق في التاريخ حتى أذنيه، ولم يعد ير حاضره فانسل منه، وانقطع عنه حينئذ أضحى لقمة سائغة في فم أولئك المتربصين به.
وهؤلاء معضلتهم الحقيقة أنهم ليسوا ذوى خبرة، ولا يمتلكون الدراية والرؤية.
بعد أن فصلنا الأربعة أنواع نأتي للسؤال الذي أرق الكثير ومنهم كاتب السطور، هل التاريخ يعيد نفسه؟ لا أجد أبدع من كلام الفيلسوف الألماني هيجل (التاريخ لا يعيد نفسه وإنما هناك جديد تحت الشمس باستمرار في ميدان التاريخ إذ إن كل عصر له ظروفه الخاصة حتى أن سلوك الأمم وتصرفات الشعوب والساسة لابد أن تحكمها اعتبارات مرتبطة بعصرها تماماً، وبالعصر وحده، ومن غير المجدي الارتداد إلى ظروف مماثله في الماضي للحكم على الحاضر.(2)
للتاريخ قواعد ثابتة تسرى على أفعال الأمم والشعوب وحتى الأفراد، ولكنها لا تتطابق أو تأخذ نمطًا واحدًا في التفاصيل وبالمثال يتضح المقال، عندما أخذ الله الأمم السابقة، لم يتشابه عذاب أمة بأخرى، وإن كان ذنب الكفر والشرك بالله هو السبب الرئيس في عذابهم جميعًا، تجد أن كلا منهم أخذه العذاب بغير طريقة سلفه، فمنهم من غرق، منهم من أخذته الصيحة، وهؤلاء خُسفت بهم الأرض، وأولئك أُرسل عليهم حاصبًا، وآخرين طير ترميهم بحجارة من سجيل.
وعلى هذا فدراسة التاريخ لا بقصد تفسيره أو عرضه أو فهم أحداثه أو الكشف عن العوامل التي تتحكم في سير أحداثه وإنما لابد أن يكون الهدف الرئيس لولوج التاريخ استخلاص الدروس والعبر الماضية التي يمكن الاستفادة منها في عصرنا الحاضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

١- حكم أرسطو من كتاب تجديد الفكر العربي للدكتور زكى نجيب محمود الطبعة التاسعة 1993
٢- هيجل العقل في التاريخ المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ ترجمة وتقديم وتعليق الدكتور إمام عبد الفتاح إمام.
عرض التعليقات
تحميل المزيد