الصلاة ركن أساسي من أركان الإسلام، بل هي عماده، والصلاة وجهة، مكانًا وزمانًا، فعل مضبوط ورسالة دقيقة، نصلي تطبيقًا لأمره متبعين خير من طبقها، من تسلم أمرها وعلمها سيد الخلق أجمعين. بعيدًا على الخلط بين الصلاة والتسبيح، الصلاة القلبية أو الذهنية وإقامتها الحقيقية وبين تطبيقها طقوسًا دون روح، علينا إجراء مراجعة ومقاربة موضوعية عسى أن تتوج بالقبول والنجاعة الفعلية.

الصلاة صلة واتصال، بثّ وتلقي، سؤال يتبعه جواب، دعوة واستجابة، فيها استفادة للفرد والجماعة، فوائد نفسية عامة، صلاح وفلاح ونجاح لا يماثله نجاح.

الصلوات المفروضة المكتوبة الموقوتة الخمس بظروفها وشروطها «الجسدية والمكانية والزمانية» وحركاتها المضبوطة، وسكناتها الموصوفة، وكل ما يقال فيها، أتانا نقلًا عن خير من أقامها، وفي القرءان تدعيم لحقيقة كمالها.
ورد لفظ الصلاة مقرونًا بأمر الإقامة الموجه للفرد «أقم» خمس مرات، وهو عدد الصلوات المكتوبة:

1. «وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ». (هود 114)

2. «أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا». (الإسراء 78)

3. «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي». (طه 14)

4. «اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ». (العنكبوت 45)

5. «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ». (لقمان17)

وهناك العديد من الإشارات الأخرى التي تدلّ على عدد الركعات «لفظ فرض ومشتقاته مقرونًا بالصلاة ورد 17 مرة، وهو عدد الركعات، لفظ سجد بجميع مشتقاته ورد 34 مرة، وهو عدد السجدات، كما أن لفظ الصلاة يرسم في القرءان بتعويض الألف بالواو: الصلوة وعددها الجملي 557 (1+30+90+30+6+400=557) وهو العدد الجملي نفسه لاسم اللّه الشكور:1+30+300+20+6+200=557 أي أنها تعبير خالص عن الشكر، وهو ما أجاب به الرسول حين سؤل عن حرصه على إقامتها، وهو ذو المكان المعلوم: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»

ما الذي يجعل صلاتنا مبتورة غير موصولة؟ ما الذي يجعلها غير مقبولة؟ لن نتحدث عن النواحي الفقهية الشكلية أو الوظيفية، بل نريد تشخيصًا ومعالجة للعملية في بعدي الشكل والمضمون، ولمزيد من فهم الوضعية علينا أن نتخذ الركعة الواحدة وحدة معيارية. وسنركز على البداية والنهاية لفهم بقية الحكاية.

بعد الوضوء والاستعداد الجسدي والنفسي يتوجّه المرء عند دخول الوقت لأداء صلاته المفروضة، وهي جماعة مرغوبة يتوجّه إلى القبلة، أي قبلة؟ ولماذا ثاني القبلتين ولماذا وجدت قبلتان؟ المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهل ينسخ الأول الثاني؟ أم هناك علاقة بين الاثنين؟ عندما يتوجّه المؤمن صادقـًا مخلصًا محتسبًا إلى القبلة «الثانية» فإنه نظريًّا دخل في مدار الحرم من أي مكان على المعمورة الدنيا.

وعندما يقيم الصلاة ويكبّر تكبيرة الإحرام فقد أحرم حقيقة وهو في مكانه، وبدأ في الاتصال. يقرأ الفاتحة طالبًا الصراط المستقيم وما تيسّر من الآيات «القيام يرسم الألف» يركع مرددًا سبحان ربي الأعلى «الركوع يرسم اللام» يرجع إلى وضعية البداية «الصفر» مع الحمد «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» ويسجد مسبحًا «سبحان ربّ العرش العظيم» «يرسم الميم» فيكون بذلك قد رسم ألم.

«الم [1] ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [3] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [4] أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [5]». (البقرة)

يجلس بعد السجود ثم يعيده «يحقّق سجدة»، ويقوم ليعيد الأمر نفسه مرة أخرى ليحصل على الركعة التي في ختامها عند الجلوس بعد السجود يقوم بالتشهد ويقول: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».

وهنا أطرح الأسئلة التالية:
1- من القائل السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته؟
2 – ومن المجيب السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين؟

والجواب عن السؤالين هو اللّه من ألقى السلام على النبي -عليه السلام- فأنت في صلاتك تردّد ما قاله اللّه لنبيه بعد إسرائه ومعراجه، حين دنا وتدلّى فصار قاب قوسين أو أدنى، حين كتبت الصلاة، والرسول كان من المفروض أن يردّ السلام على قائله كما أمره ربه، وهو ما لا يجوز في هذه الحالة، إذ هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام لذلك أجاب بتلك الصيغة في ذاك المقام، عليه أفضل الصلوات والسلام.

فهلا فهمنا ماذا نفعل وماذا نحن بصدد القيام به؟ نحن نكرّر ما قام به محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- فكيف لا نتّبعه في كل حركة وكل نصيحة، وفي أدقّ التفاصيل؛ حتّى تستقيم أفعالنا ما ظهر منها أو السريرة؟

وإذا كانت معنى الركعة تحقّق لمشهد الإسراء والمعراج؛ فنحن في كل صلاتنا نسري ونعرج؛ الإسراء في الأرض بعد التوجه من المسجد الحرام: «وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)» (البقرة) إلى المسجد الأقصى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)». (الإسراء)

مع ضرورة احترام الترتيب في التوجه، إذ ضرورة أن تكون القبلة هي شطر المسجد الحرام، إذ يقول اللّه تعالى:

– «سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)». (سورة البقرة)
– «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)». (سورة البقرة)
– «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)». (سورة البقرة)

السجدة الأولى هي تمثّل للإسراء، العنوان هو الكعبة، يبثّ الطالب الرسالة راجيًا الهداية، فتنتقل الأنوار من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى «قبة الصخرة». لذلك فقدسية المسجد الأقصى ثابتة ومتواصلة ودوره في مسالك الأنوار فاعل ومؤثر وقد علم ذلك أحبار اليهود وشركاؤهم من أبالسة الإنس والجان؛ فدنّسوا الأقصى قطعًا لطريق الدعوة الموصولة المنيرة الناجعة والمجابة، وتطهيره من الدنس ومن الأنجاس هو حقيقة شرط الإجابة.

ومن قبة الصخرة مهبط الوحي، تعرج الأنوار في السماوات نحو البيت المعمور والملأ الأعلى، وتعود إلى سدرة المنتهى حيث دنا وتدلّى وتلقّى من ربه ما تلقّى «تمام السجدة الثانية» وتكتمل بذلك الرّكعة.

الصلاة كما تبيّن هي عمليّة اتّصال حقيقيّة وواقعية لها جهازها وتردداتها، بثّ ومحطتا تركيز وتحويل ورسالة مشفّرة مضمونة الوصول، لها مجيب سميع حيّ قيّوم فعّال لما يريد.

اللّهم صلّ على محمد، وآل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد