حياتنا أشبه بدوامة مخيفة مرعبة، تلفظ كلّ الذي ترى وراءها دون هوادة أو سابق إنذار، تلقي بنا وتمشي وتواصل الطريق وكأنّ شيئًا لم يكن، في هكذا حالة لا عويلنا ولا انتحابنا جدير بأن يجعلها تعيد النظر كرّةً أخرى، هي أشبه بـ(طنبر) تالف لا يتردد في رمي كل ما يجعل عجلاته تأخذ قسطًا من الراحة.

بت أشعر بالسخرية من نفسي هذه الأيام تحديدًا لمجرد أن يخطر لي بأنّ أيامي القادمة ستكون سرمديةً وردية، أتساءل يا ترى هل سأعود إلى غرفتي التي طربت جدرانها بأنغام فيروز هذا الصباح؟

هل سأعود لأكتب خلاصة يومي، أم أن الله سيكتب خلاصة ذلك اليوم فسيكون كما يراه خيرًا لي، وقد سبق لي وأن ضقت به ذرعا بدايةً وتأفأفت لضيق بصيرتي؟

هل سأنزع ورقة التقويم في اليوم التالي أم أنّ ورقتي كإنسان قد سقطت قبل ورقة التقويم هذه التي لا شأن لها بالتأريخ إطلاقًا؟

باتت أيامنا مزركشة بالكوارث والمصائب، فذلك يرتدي الأسود الحالك حدادًا على أرواح تموت كل يوم فليس ينزعه إلا وارتداه ثانيةً. لا تفرق بين أسود ثيابه وأسود عينيه ووجهه لتعاظم العزاءات وتتابعها، المآذن باتت لا تنفك عن النداء بأسماء الموتى تباعًا، ذلك الذي كان يرتادها كلّ صلاة وذلك الذي كان يرتادها كل عيد وذلك الذي كان لا يعلم طريقها ولا يحصيها.

تجد نفسك في حالة هدوء وتصالح ذاتي إلى أن يرمقك خبر حادث مروّع، فينفطر لأجله قلبك ويدمع قبل أن تدمع مقلتيك جراء رؤيتك القهر يفيض من المشهد، وكأننا نعيش قصةً خياليةً لا تمت للواقع بصلة، تلك الفاجعة التي ارتكبت بحقّ الصحفي جمال خاشقجي، الفاجعة التي أكلت من قلوبنا وأرواحنا وأجسادنا وأقلامنا بإسهاب.

في ظل تأملاتي واطّلاعي على كل ما قيل في تفسير وشرح هذه الفاجعة وكلّ ما تمت مشاركته من تغريدات وإعلانات وأخبار، وفي ظلّ تعاركها جميعًا واتفاقها أحيانًا وتضاربها وتصادمها أحيانًا كثيرة، تعود بي الذاكرة إلى تفسيرات وتحليلات للدكتور أمين معلوف في كتابه «الهويات القاتلة» يسلط الضوء من خلالها على قضايا مشابهة تقودنا إلى الحكم على هذه الظاهرة من منطلقات مغايرة.

فعندما يسخر من دولة الحرمين وأهلها أجمعين وعقيدتهم مؤمنون بذات العقيدة ومقيمون بالجوار ليس في عالم آخر أو حتى في قارة أخرى، الذي أقصده أنّهم وإن لم يكونوا في البلد ذاته بين أشخاصه إلا أنّهم لا زالوا على اطلاع وإدراك ومقربة تمكنهم من إدراك وتحسس الواقع هناك وتصويره برؤية واضحة.

فالذي يحصل اليوم هو ذاته ما حصل عندما تم انتقاد الاسلام وأخذ أحكامه من أفعال ومعتقدات داعش وقياسها على ديانة وأوطان وكثير من المدنيين الذين من بينهم من لا يعرف من داعش سوى عنوان واسم وبضع نكات مما نسب إلى عقيدتنا كمسلمين.

فعندما يرتكب فعل شائن باسم عقيدة ما، أيًّا كانت، لا تتهم هذه العقيدة بالضرورة.

فهنا يقف أمين معلوف «كونه ليس مسلمًا» على حيرة من أن تنسب حركة «الطالبان» في أفغانستان لعقيدة الإسلام، فعندما نفسر أمرًا يتعلق بعقيدة بأكملها علينا أولًا أن نتماهى ونستوطن نظام المعتقدات، فالمسلم المؤمن يرى أنّ سلوك «الطالبان» ينافي أو لا ينافي حرفية إيمانه وروحيته. فهنا نجده يعقب على ذلك قائلًا: «أما أنا الذي لست مسلمًا، والذي أضع نفسي عمدًا خارج أيّ معتقد، فلا أجد نفسي مؤهلًا قط للتمييز بين ما يتماشى أو يتنافى مع الدين الإسلامي. أملك تمنيات وميولًا ورأيًا بالتأكيد، بل أودّ على الدوام القول إنّ هذا السلوك المتطرف -كزرع القنابل وحظر الموسيقى أو تشريع ختان الفتيات- لا يتلاءم مع رؤيتي للإسلام».

فهنا وفي هذا الموضع أرمقنا نرتكب جريمةً تسترها وتلملمها جريمة أكبر تغطيها الثانية بظلها، هل حقًا بلاد الحرمين باتت لا تستحق التقديس؟ هل حقًا بات ابن سلمان والقنصل وأعوانهم المرآة التي تعكس صورة الإسلام والمسلمين ومعتقدات شعب لا يعلم من أفعالهم سوى ما ظهر منها مؤخرًا؟

فالنزعة التحررية غالبًا ما تصدر عن أشخاص من خارج الفكر الديني. وهذا ما حصل بكل تأكيد في خضم هذه الفاجعة، الأمر الذي هالني حقًا وقض مضجعي ليس نسبة الأمر لسكان البلد ودينهم فحسب، المصيبة تكمن في من يقف في صف ابن سلمان ويبرر ذلك كون الدولة تحت وكالة ورعاية الدول الكبرى، وهذا ما يدفع المقيمين عليها لمثل هذه الأفعال، كما أنه يوجه الموكب على هواه تحت عنوان: «قاتل خاشقجي ليس ابن سلمان، هذا هو القاتل الحقيقي.»

فالقاتل الحقيقي -من وجهة نظره كما فهمت– هو الخوف والارتباك والعصف الذي ستتعرض له الدولة في غير شتائها فليس الوقت مناسبًا ولسنا على استعداد لاستقبال شتاء في غير موسمه!

وفي قوله تعالى: «ذرْهمْ يأْكلوا ويتمتّعوا ويلْههم الْأمل فسوْف يعْلمون وما أهْلكْنا منْ قرْية إلّا ولها كتاب معْلوم ما تسْبق منْ أمّة أجلها وما يسْتأْخرون» (سورة الحجر).

تسلط الآيات الضوء على أهل الكتاب وهم منشغلون في إغراءات الحياة الدنيا، منصاعون لقوانينها وأحكامها وشهواتها، معتقدون أنّ ذلك كله يخضع لقوانين المنطق في المعيشة، لا تلتفت عقولهم إلى كل هذه الدلائل والآيات التي توحي بضرورة التبصر وإعمال العقل فيها، فلا بد لتلك الملذات من أن تخونهم وتغدر بهم لحظةً هم فيها غافلون، في لحظة هم في غفلتهم يعمهون، ستعجنهم الحياة كأنّهم مزج الطين، فهم مزج من طين وإليه يرجعون.

كانت قضية مقتل خاشقجي تجسد مسمى الهويات القاتلة وتعكسه بأسمى صوره وأشكاله، أتمنى حقًا أن لا نلطخ بالغبار ما هو واضح ثم نشتكي غباشًا يجلل الرؤية، أتمنى ألا نخرس قلوبنا وأقلامنا عن قول ما يحلو لها، فلن أودعك خاشقجي بقولي كنت، فأنسبك للماضي وأنقصك حقك، سأقول دمت كاتبًا وصحفيًا مصورًا للمشهد مخلصًا لتفاصيله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الهويات القاتلة لأمين معلوف. سورة الحجر . مقالات مدونات الجزيرة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد