مباشرة بعد لقائه مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي في بيروت توجّه رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري  إلى الرياض بصورة مريبة ليعلن استقالة حكومته من هناك. أمّا في بيروت وبعد سماع بيان الاستقالة المقتصر على كشف خلفيات السياسة الإيرانية العدوانية ضد لبنان والبلدان العربية عمومًا، فقد ساد الشارع اللبناني والأوساط السياسية حالة من الفوضى والارتياب والتوجّس خاصّة عند توجيه الحريري خطابه لمن وصفه بالذراع الإيراني في لبنان والمقصود طبعًا هو حزب الله. وكانت لهجة بيان الاستقالة استثنائية بكلّ المقاييس إذ ألمح عديد المتابعين أنّ الحريري لم يعتد عليها في السابق. كما توجّه الحريري إلى اللبنانيين في كلمة مكتوبة من الرياض حمل فيها بشدة على إيران وحزب الله، ليصل الحديث إلى درجة من الخطورة متحدثًا عن محاولات لاغتياله، ليختم بيان الرياض بإعلان استقالته.

في البداية، لا يختلف اثنان في كون التوتّر السائد بين السعودية وإيران يعتبر العامل الرئيس في صنع الأزمة اللبنانية. فمن ناحية المملكة السعودية كانت إشارات عدم الرضا على مسار الأمور لبنانيًا كثيرة منذ انطلاق قطار العهد الرئاسي، فحديث رئيس الجمهورية اللبناني العماد ميشال عون عن مشروعية وجود سلاح حزب الله وربطه باحتياجات استراتيجية في الداخل والخارج اللبناني من خلال  التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط، لم يعجب المسؤولين السعوديين، كما عبّروا عن انزعاجهم ممّا وصفوه باستمرار قتال الحزب في سوريا وتدخّله السافر فيها مع الحرس الثوري الإيراني، وعن تحريكه خلايا في الكويت والخليج ومصر والجزائر. وعن مواقف بعض القياديين المقرّبين من حزب الله وإيران التي تهاجم الرياض، وعن كلام إيراني لمّح إلى كون لبنان ساحة نفوذ للجمهورية الإسلامية في أكثر من مناسبة.

من جانبها كالت الجمهورية الإيرانية التهم إلى السعودية من خلال اتهامها بدعم الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق ماديًّا ومعنويًا ولوجستيًا بل وتوفير الغطاء السياسي لها من خلال شراء الدعم الصهيو-أمريكي. بل وصل بها الحدّ إلى اتّهامها علنًا بمحاولة زعزعة الأمن القومي الإيراني من خلال المراهنة على استقلال كردستان الذي بلغ ذروته الشهر المنصرم. إذن فالمسألة لم تعد شأنًا لبنانيًا خالصًا، فالمتغيّرات الجيوسياسية قد فرضت على المشهد السياسي في لبنان والشرق الأوسط عديد الأمور كان آخرها استقالة الحريري أو ما يراه البعض إجبارًا على الاستقالة.

فأغلب المعلّقين والمحلّلين في لبنان، حتى الحريري نفسه في بيان استقالته، ألمحوا إلى أنّ الاستقالة شبيهة تمامًا بمرحلة تنحي والده الرئيس الراحل رفيق الحريري في عام 2000 وقد عزا البعض ذلك إلى النفوذ السعودي الكبير في الداخل اللبناني، فهذه الاستقالة كانت في إطار خروج الحريري الأب على النفوذ السوري في لبنان. أما الحريري الابن، في بيان استقالته فقد قال حرفيًا: إننا نعيش أجواء شبيهة بتلك التي سبقت اغتيال الشهيد رفيق الحريري عام 2005، ولمستُ ما يحاك ضدي في الخفاء لاستهداف حياتي. من ناحيتهم عبّر المسؤولون الإيرانيون في أكثر من مناسبة أنّ إيران كانت مطمئنة ولا تزال إلى استقرار الوضع في لبنان إثر زيارة ولايتي بيروت وحتى بعد استقالة الحريري.

لكنّهم لم يخفوا في الوقت ذاته تفاجؤهم بمغادرة الحريري مباشرة إلى الرياض بعد لقائه ولايتي بتلك الطريقة. ولم يبتعد المنسق العام لأمانة قوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد  عن هذا الجوّ العام إذ قال حرفيًا: لقد انتهت التسوية وعاد لبنان ساحة اشتباك سعودي – إيراني، وأمريكي – إيراني. ومع انتهاء التسوية نأمل في ألا يدخل لبنان إلى مرحلة أمنية خطرة، وأن تستمر عملية بناء الدولة. وتابع: أشك في أن تقبل أي شخصية سنية أن تحل مكان الرئيس الحريري المستقيل. وأقول لـحزب الله عليك أن تعود إلى لبنان بشروط لبنان، فتشكيل لبنان بشروطك مستحيل.

ختامًا، نستطيع القول إنّه مهما اختلفت زوايا النظر لاستقالة الحريري تبقى المنطقة خاضعة لتوجّه دولي وإقليمي كبير يعمل في اتجاه تأجيج الصراع الإيراني الخليجي من خلال القمة العربية – الإسلامية – الأمريكية في الرياض، فهل سيكون الحريري واللبنانيون روهينغا الشرق الأوسط سياسيًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد