هل فكر أحد في مشكلة الرجل والتراب والوقت والمرأة والثقافة، وتجديد الخطاب الإسلامي بين الروح والفن وبين العقل والقلب هنا حيث تكمن مشاكل الإنسانية على مر العصور.
إن الكلمة لمن روح القدس إنها تساهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي إذا وقعت في القلب واستقر معناها تحرك الضمير وتحول اﻹنسان إلى آخر مؤمن ذي مبدأ وقضية ورسالة.

إن من أساس نهضة أي أمة: إرادة الحركة والتجديد والفرار من الزوايا الخرافية، إلى المكاتب العلمية ومن الخمارات إلى أماكن أكثر طهارة وفائدة، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

إذا فصلت السياسة عن الدين فقدت معناها، الزمن يتغيير والأحداث تتجدد، وعادات الناس وتقاليدهم وأعرافهم تتبدل، لكن لا بد من ضوء النور الثابت والمستقر، ضوء اﻹيمان.
إن الحرية في الأصل أن تتخلص من ذل النفس وتلك الروح التي تستعبد مجتمعًا بأكمله، فيقبل ذل الاستعمار، تلك الروح حينما لا تقبل أن تهان كرامتها، ولا أن ينتهب مالها، وتنتفض لاسترجاع حقها، وتمتص دم ذلك اﻹنسان الذي غير من نفسه هو تلقائيًا غير حاكميه، غير وضع الحال إلى الوضع الذي يرضاه.

إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى.. شرعة السماء؛ غير نفسك تغير التاريخ

إن من الواجب أن نضع المرض نصب أعيننا؛ لكي تكون لدينا عنه فكرة سليمة لا يكفي الحديث عنه أو الشعور به، وهذا لا يعني علاجه.
جوهرة الفكرة أن الفكر اﻹسلامي لا يحتاج إلى شيء، إلا فهم صحيح بعيد عن خطاب التشدد أو الخرافة. إن من السنن أن يعيد التاريخ نفسه كما تعيد الشمس بزوغها من نقطة الزوال.

أول ما يجب أن ننظر إليه في شعب استيقظ للتو بعد نوم طويل، هل بيده أسباب تقدمه؟ اﻹنسان التراب الوقت عوامل لنهضة أي أمة. والحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية كل اأفكار السامية والنبيلة والأهداف والقوة والتاريخ صنعتها عقيدة دينية أيا كانت على اختلافها. إن الحضارة تولد مرتين، الأولى بميلاد الفكرة الدينية، والثانية اﻹيمان بهذه الفكرة والعمل بها.
وإن الفكرة الدينية هي حالة خاصة وشروط خلقية وعقلية لأزمة اﻹنسان لكي يستطيع أن ينشئ حضارة، ويكتب تاريخًا وعلى هذا فإن جوهرة الفكرة الدينية عامل مؤثر في كل زمان ومكان، ومتى ما انتقلت من الروح إلى العقل أنتجت حضارة وتاريخ.

إن دور الفكرة الدينية في سلوك اﻹنسان هي تنظيم غرائزه وسلوكياته، وهي إذا ما تمكنت من القلب خرجت بإفكار العقل ليؤدي اﻹنسان رسالة، ويصنع مجدًا وحضارة.

الثقافة هي فلسفة اﻹنسان وفلسفة المجتمع

للثقافة علاقة وثيقة في سلوك اﻹنسان وطريقة حياة مجتمع ما وعليه فإن التماثل في السلوك أو الاختلاف ناتج عن الثقافة لا العلم، فالثقافة أوثق صلة بالشخصية، ونستطيع أن نعرفها على أنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته فهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، فالثقافة تشمل عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية، وعنصر الجمال لتكوين الذوق العام والمنطق العملي والفن التطبيقي، وتتمثل بطريقة الملبس وحركات الإنسان وانفعالاته حتى طريقة العطاس وطريقة انتقاء الكلمات.

وإن الله جميل يحب الجمال. الجمال هو وجه الوطن في العالم فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا ونفرض احترامنا على جيراننا، الذين ندين لهم بنفس الاحترام. يكمن جزء كبير من (اللا فاعلية) في أعمالنا إلى افتقادنا إلى الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه بين سياسة ووسائلها بين ثقافة ومثلها بين فكرة وتحقيقها. ما ينقص اﻹنسان المسلم اليوم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل، إن الصناعة للفرد وسيلة عيشه وربما لبناء مجده، ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه.

مبدأ أخلاقي ذوق جمالي النتيجة اتجاه حضارة 

إن العمل من عوامل بناء الحضارة والنهضة إن الشيء الذي يهمنا في المجتمع الناشئ هو الناحية التربوية في العمل لا الناحية الكسبية بالنهاية كل جهد يستحق أجرًا ما يهمنا تطوير مفهوم العمل لدى أمتنا.

الراعي والتاجر الطالب والأستاذ المرأة والرجل

كل يوم عمل بإخلاص يعني كل يوم لبنة صالحة في بناء الحضارة وعلى قدر ما يصبح في البلاد من فنون وحرف تتجه أحوال معيشة الفرد إلى وضعها الطبيعي حتمًا، ولا يمكن أن يحدث هذا دون ذاك.

يمكن توجيه أموال الأمة البسيطة من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك تنشط الفكر والعمل والحياة في البلاد. فالقضية إنما هي منهاج يحدد لنا تخطيطًا مناسبًا نبني عليه حياتنا الاقتصادية، ولا يكون فيه لتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة تستغل السواد الأكبر من الشعب، بل يجب أن يتوفر فيه إسهام الشعب مهما كان فقيرًا، وبذلك يتم التعادل بين طبقات المجتمع وتنسجم مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد.

إن التوازن الأخلاقي في مجتمع ما منوط بمجموعة من العوامل الأدبية والمادية والملبس، ونقصد أحد العوامل لكل زمان ومكان ونشاط ملبسه الخاص الذي يساعد كثيرًا على القيام بنشاط أو أخذ دور ما في المجتمع على أكمل وجه. الفنون الجميلة روح الحياة ورسالة سامية، وقد تكون موت للحياة والثقافة خالية من الرسالة والهدف والمنطق مضمون كل نشاط يعكس تلك الصورة مثلًا الرقصة قد تكون ﻹغراض جنسية وقد تكون أغراض روحية كالرقصة المولوية عند الصوفية طريقة إسلامية، وقس على ذلك. التراب قيمته بقيمة من يسكن عليه بثقافتهم وأخلاقهم وخلقهم وحركتهم ونشاطهم وعملهم وصلاح حالهم والعكس صحيح. الوقت نهر العالم منذ الوجود دائمًا مسافر بلا عودة وذاهب بلا رجوع يمرق خلال الحياة ويمر على كل الموجودات، شأنه ثروة أو عدمًا، من يقرر هذا أنا وأنت والمجتمع. وأخيرًا فعندما تجتمع عوامل النهضة الثلاثة، اﻹنسان والتراب والوقت بشروطها كما ذكرنا سابقًا. النتيجة أمة قائدة، لا تابعة، أمة قادرة أمة، لا تهزم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد