من المنطق أن تفهم أين يستخدم المنطق ومتى يُحيّد المنطق. لست محظوظًا فقط؛ أنت بإذن الله ممن شاء الله أن يهديهم سبل الرشاد إن تطابق المنطق مع ما تعتنقه من مبادئ وأفكار. فهل أنت كذلك؟

السؤال المهم في هذا الشأن هو هل يتنافى المنطق مع مبدأ إنساني عظيم، والإجابة هي نعم، وسبب حدوث الخلل هنا هو طريقة تطبيق المبدأ غالبًا وليس المنطق. لكن السؤال الأهم؛ هو متى يُحيّد المنطق؟

من وجهة نظر قلبية خالصة، أقول إنه يجب أن يُحيّد عندما يتم تجاوز خطوط الإنسان الحمراء. لقد وصفت وجهة النظر بالقلبية احترامًا لهامش بسيط من المنطق، لأحيل من «يعبد» المنطق لرب المنطق وأسأله؛ هل ترى أغلى من الوطن، وهل تظن بأن ثمة قيمة في الدنيا أكثر جدارة منه بأن يوضع أمام المساس بها عشرة من الخطوط الحمراء فاقعة اللون، ويذبح لأجله المنطق من الوريد إلى الوريد.

فكيف هو الحال وقد تكامل القلب والمبدأ والمنطق لتتجسد لك الحقيقة بأبعادٍ ثلاثة لا يتجاهلها سوى أعمى القلب والبصيرة، فالحقيقة المجسدة التي يدركها الكفيف بمجرد أن يتحسس وجهه، تدفعك رغمًا عنك للتساؤل عمّن يشكك بها من المبصرين!

تمر منطقة الخليج العربي اليوم بمنعطف هام، وهي ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك على أية حال، لقد مرّت المنطقة قبل هذه الأزمة بأزمات ومنعطفات عدة، وخاضت حروبًا عدة، وتأثرت بأحداث عالمية عديدة، وتمكنت بفضل من الله ومنّة منه أن تتجاوز كل ذلك، وستتجاوز هذه الأزمة أيضًا بإذن الله، وستظل منظومة الخليج قوية فتيّة وستخذل كل من راهنوا على خرابها من الأعداء وأدعياء الأخوة والصداقة والجوار معًا.

إنّ المنطق الذي يستخدمه البعض لمحاكمة الوطنية سيحوله الأعداء إلى وسيلة وضيعة للنيل من الوطن، لكن الجميل في الأمر أن المنطق هو ذاته من سيجيب على أسئلتهم المنطقية عن تأخر السعودية في اتخاذ الإجراءات الملزمة لقطر لتكف عن بغيها على أشقائها وتعود للعمل ضمن إطار منظومة مجلس التعاون بما يحفظ مقامها ومصالحها، وفي الوقت ذاته يرد كيد الكائدين في نحورهم، فالتأخر سنواتٍ في كشف بعض أسباب الأزمة لا يصب من وجهة نظر منطقية عادلة إلا بمصلحة السعودية، ويثبت بأنها ظلت – كعادتها – تمارس سياسة ضبط النفس إلى أقصى الحدود الممكنة، تلك الصورة الواضحة يثبتها المنطق في قراءة الموقف، لكن من يقرأها وفي قلبه مرض تجاه السعودية ككيان فلن يستحضر المنطق، سيعميه سواد قلبه عن ذلك بالطبع!

أولئك المرضى في داخل المنظومة الخليجية وخارجها، لا يروقهم أن يستقيم أمر الخليج، يسوؤهم أن يكونوا شهداء على سريان السنن الإلهية في الأرض من موقع المشاهد.

ساءهم الاكتشاف بأن الأيام دول بين الناس، ومنذ أن استيقظت أيام الخليج وهم في حالة إنكار، وما أن أصبحت أيام الخليج ومنجزاته أكبر من التجاهل، تحول أولئك الرفاق للنخر في جسد الخليج سعيًا لشرذمته ورغبة في تمزيقه، جعل الله تدبيرهم في تدميرهم. ورزق أبناء الخليج من الحكومات والشعوب البصيرة ليصطفوا معًا بوجه الأعداء والخونة من الأهل والرفاق معًا.

ذلك هو الخيار الذكي الذي على قطر أن تتبناه، وهو الخيار الصحيح وليس الذكي فقط. خيار لا يستلزم من قطر سوى التضحية ببعض من استغلها ممن لا يريدون بالخليج وأهله خيرًا. فيا له من ثمن بخس ستدفعه قطر للتخلص من الأزمة، هذا النوع من الصفقات الذي تقبل فيه الأثمان البخسة نظير الفائدة العظيمة لا يكون سوى بين الأشقاء يقدمونه لبعضهم البعض، ذلك أمر لا يدركه من لا يقيم للأخوّة والدماء وزنًا أو قيمة.

بالاتكاء على المنطق فإنّ هذا هو الخيار الصحيح، ومن منطلق الأخلاق والقيم ذلك ما يجب أن تفعله قطر، وحيث إن السياسة مناورات؛ فستكون تلك نقلة سياسية بارعة لقطر، وستقلب الطاولة على كل من أراد بها وبالخليج شرًّا، السياسة أحضرتهم وبالسياسة سيصرفون، والنصر لمجلس التعاون بوجه كل من أراد به شرًا، بغيًا منه أو غباءً أو طمعًا لا فرق.

بالسياسة أو بدونها، بسببها أو لسبب آخر سواها؛ فليذهب المنطق للجحيم إن لم يكن عونًا لك للاصطفاف خلف مصلحة وطنك.

 حتى الأخطاء والتجاوزات الإعلامية من كل الأطراف الخليجية بالأزمة مردها للحمية الوطنية، والحقيقة أنك – بالمنطق أو بدونه – لن تملك سوى الاحترام لمن يصطف خلف وطنه مهما كانت طريقته وبغض النظر عن موقف ذلك الوطن.

حين يشعر أي مواطن مخلص بأن ثمة خطرًا يهدد وطنه، وأن هناك من يحيك الدسائس لتخريبه، لن يتوقف كثيرًا لدراسة موقفه، وسيرمي بكل مواقفه المتحفظة من أداء الحكومة في الداخل خلف ظهره ليعلنها مدوية واضحة بأن الوطن خط أحمر. على المواطن المخلص وقت الأزمات أن يصطف خلف حكومته، يؤيد موقفها ويتبنى لغتها المهذبة الرصينة، ويتفهم أن المواطنين في الطرف الآخر يملكون الحق ذاته.

أخيرًا وليس آخرًا، سينتصر الحق، وسيعود الأشقاء للاجتماع على طاولة الحل ولو بعد حين، ذلك ما سيخبركم به التاريخ، وفي التاريخ ما يكفي من البراهين لمن يريد أن يطمئن قلبه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد