الحب هو الإيمان يا صديقي، هو الإيمان فلا تكفر به – ياسر حارب

كيف يمكنك أن تقنع طفلًا في الخامسة أو السابعة من عمره بأن جده الذي يحب قد صعد إلى السماء، بينما تأخذه كل يوم جمعة إلى المقابر وتطلب منه قراءة الفاتحة على روح جده الراقد تحت التراب، وأن قدومكما معًا إليه يسعده حيث إنه يراقبنا ويرانا من فوق؟!

مثل هذه الأمور قد تبدو لطفل صغير مجرد قصة قبل النوم، وإذ يخلو إلى نفسه ليلا سيعيد التفكير فيها بشيء من عدم التصديق والخوف معا، لكن شيئا ما يحتم عليه الإيمان بها لشدة غرابتها ولعدم قدرته على إيجاد تفسير لاختفاء جده المفاجئ أو إيجاد حقيقة تبرر الدموع التي تنهمر على قبره. كذلك نحن عندما يتعلق الأمر بالحب، فالحب والموت سيان وإن اختلفا فإن الاختلاف يكون في أن الحب يحكي عنه العائدون من الحب بينما لا يمكن للأموات العودة ليحكوا عن الموت.

لكننا وعلى الرغم من أن كل شيء من حولنا يشي بوجود الحب، قصائد جميل وحبه لبثينة مثلا، وقصائد قيس بن الملوح وجنونه بليلى، وأشعار نزار وقصيدته في رثاء حبيبته بلقيس، إلا أنه من الصعب إن لم يكن مستحيلا إقناع شخص غير واقع في الشباك أن الحب ليس أسطورة.

فهل صحيح ما يُحكى، أن الحبيب إذا دنت منه رائحة عطر شبيهة بعطر محبوبه يخفق قلبه ويتحول فجأة من إنسان عادي يتحرك ويمشي إلى فراشة تحلق في الهواء؟ وكيف يمكن للحب أن يحول إنسانًا هادئ الطباع إلى إنسان مستعد لأن يقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل محبوبه؟ وكيف لهذا الحب أن يحول نفس الشخص الثائر إلى شخص هادئ قليل الحركة؟ كيف يمكن لإنسان عادي جدًا أن يتحكم بمزاج شخص آخر ويلهو بعقله وتفكيره؟ وكيف يوافق الناس على أن يضعوا حياتهم بين يدي شخص آخر قد تعرفوا عليه للتو لمجرد أن إحساسًا غريبًا قد تسلل إلى مكان ما في الجسد؟

إن مثل هذه الأسئلة يطرحها الأشخاص الذين لم يصلوا بعد إلى سن النضج العاطفي، أولئك الكفرة بالحب الذين نجوا من السقوط والذين أخطأتهم رصاصة الحب فيعتبرون كل ما يقال عنه هو مجرد ترهاتِ أشخاص تم تخديرهم أو وقعوا تحت تأثير تعويذة سحرية، لكن كل علامات الاستفهام هذه لا تمنعهم من تصديق هذه الكذبة أو الخدعة، لأنه ما من تحليل آخر يفسر ما يقع لهؤلاء المحبين العاشقين، الذين وقعوا تحت يد الجبروت الطاغي ورفعوا أيدهم استسلامًا ليس خوفًا منهم بل رغبة في الانجراف وراء شعور ينخر أرواحهم وإيمانا منهم وإن كانوا من الكافرين أن الحب عاطفة أودعها الله بقلب كل واحد منا وأنه مصير كل إنسان يتمتع بقلب تنبض دقاته سواء شاء أم أبى، سيلقاه، سيلقاه.

بالنسبة لي فالحب هو شعور عظيم، هو ارتباط روحي، عندما ترتبط روح الشخص بشخص آخر فتفقد كل الأشياء قيمتها والأشخاص من حوله يبدؤون بالتلاشي في نظره فلا ترى عيناه شخصًا سوى المحبوب، ولا يهمه شيء في الدنيا إلا سعادته حتى وإن لم يكن بجواره، وقد أودع الله بقلب كل واحد منا عاطفة الحب إلا أن قلة قليلة فقط من تفقه في هذا العلم أو السحر إن صح القول، ويتميز الحب بالإيثار ونكران الذات في سبيل نجاة وسعادة الطرف الآخر فيحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه أيضًا، يكاد يراه وإن كان عن نظره بعيدًا، ويكاد يشعر بآلامه وحزنه وتعبه وخوفه وقلقه مهما باعدت بينهما المسافات وطالت مدة الغياب، بل هناك من يرى أن حبه هو العقيدة التي يجاهد في سبيلها والحقيقة التي يسعى إلى إثباتها والبلاد والوطن الذي يحمل لأجله السلاح.

صحيح أن فقه الحب مليء بالتعقيدات وتحوم حوله العديد من علامات الاستفهام، وفهمه وتفسيره يتطلب قدرة خيالية وتجردًا تامًا من كل ما هو عقلاني، فاحتواء الحب باعتباره مفهومًا أمر عسير، لكن احتواءه كشعور يفرض نفسه على الشخص ويقتحم حياته ويحتل عقله فهو أمر هين وسهل، وإن استدعى ذلك بعض الجنون، فهات يدك وتعال نسع في أرض الله حبًا، وليخرس صوت العقلن فإن أهل الحب صحيح مجانين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد