نسمع كثيرًا تبادل التهم بين الإعلاميين والمثقفين بالتهمة المشهورة والقاسية ألا وهي قلم مأجور، أي أن هذا الشخص يُدفع له ليكتب، أو أنه يخدم مصالح جهات معينة على أجر معلوم أو بمصالح معلومة، يكتب لا ليعبر عن آرائه وأفكاره وقناعاته، إنما يكتب ليشوه صورة ما أو يحسن سمعة جهة  ما، إلا أن كثرة التراشق بهذه التهمة أفقدها معناها بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أننا صرنا لانعرف أي معنى لكلمة قلم مأجور، فيا ترى هل هناك أقلام غير مأجورة؟

الثقافة والمال.. ألا يمكن أن يجتمعا؟

الكل حين يكتب يكتب تعبيرًا عن آرائه أو تحقيقا لمصلحة معينة أو إشباع رغبة ما، فمفهوم الموضوعية وعدم التحيز مفهوم فارغ، وأفضل ما يمكن القول فيه أنه مفهوم نسبي، لا يمكن تحقيقه إلا إذا استطاع الإنسان الخروج من ذاته إلى مخلوق آخر، إلا أنه ليس من العيب أن ينتصر المثقف لفكرة ويتحيز لها ويحاجج من أجلها ويجادل بالتي هي أحسن، فهو مجتهد فإن أخطأ فله أجر وإن أصاب له أجران، فالصحفي أجير والجامعي أجير وكاتب الرواية أجير والناقد أجير وإن اختلفت صيغ الأجر إلا أن الأجر ثابت خاصة في عصر  أصبحت فيه المادة شيء ضروري لحياة كريمة لأي إنسان، فما بالك بالمثقف الذي يعتبر شرفه وكرامته رأس ماله؟، إنما المشكل حين يكتب الكاتب يبيع الباطل مقابل أجرِِ ما سواء دفعه له غيره أو اكتسبه من مهنته أو عن طريق بيع كتبه أو غيرها فالأجير ليس من يأخذ أجرًا مقابل عمله الثقافي والفكري والعلمي من أي جهة كانت، إنما الأجير من ينصر الباطل ويخذل الحق من أجل شهوته وتعصبه وهو يعلم أنه الباطل الزاهق وإن لم يدفع له أحد.

عسكري مرتزق يتهم قلم المثقف بالقلم المأجور

من أعجب الاتهامات التي نسمعها أن تجد عسكريًا يكتب بناء على أوامر لا تعبيرا عن آراء وإن كانت هذه الأوامر تخالف قناعاته ومن المؤكد أنها تخالف آراءه، يكتب متهما مثقفا بأن قلمه مأجور، تعتبر  كتابات هذا المثقف ومساهماته الفكرية  بعمر هذا العسكري أو تربو عن ذلك كثيرًا، العسكري لا يكتب تعبيرًا عن رأيه وربما لا يكتب حتى تعبيرًا عن رأي المؤسسة العسكرية بل يكتب تعبيرًا عن رؤسائه وقياداته الذين يدخلون المؤسسة العسكرية في كثير من الأحيان في غير مجالها فيتخبطون كمن يتخبطه الجهل من عيّ. فكيف تنقلب الآية ليتهم القلم المأجور من أجل باطل القلم المأجور من أجل التعبير عن رأي بأنه قلم مأجور بمعنى خائن.

الذين يشترون بآرائهم المنحرفة ثمنًا قليلًا

نحن نعيش في عصر الانفجار المعلوماتي وعصر المعرفة الذي أخذ من العصر الصناعي خصائصه التنظيمية والتصنيعية والاستهلاكية والنمطية والعولمة وغيرها من الأمور، فصار عندنا موظف الفكر والثقافة، وموظف العلم والأدب الذي يؤدي وظيفة ثقافية مقابل أجر معلوم، أو يقوم هذا الأخير بالاسترزاق مقابل كتاباته وتحليلاته وآرائه التي تتسم بالقوة والواقعية،وهذا شكل من أشكال العصر الحديث وليس عيب من عيوب المثقف، إنما التهمة على الذين يبنون آراءهم ويغيرونها وفق ما يدفع لهم أو مايتوقعون أن يكسبونه من هذا التغير.

كل الأقلام مأجورة إلا أن هناك كلاب حراسة

يمكن الخلوص إلا أن كل الأقلام مأجورة بالغرض الذي تكتب من أجله سواء كان ماديًا أو معنويًا، ولا عيب في هذا ولا مشكل إذا كان التعبير عن الرأي الشخصي والقناعة الذاتية هو المنطلق، إلا أن هناك كلاب حراسة لمنظومات محددة وأنظمة معروفة، فليس وظيفتها إلا النباح على من قرّب من الدار ولو مر بالطريق حولها، ولا تتردد في نهشه إن تقرب كثيرا فليس للكلاب استقلال إلا الوفاء لصاحب الدار، وليس للكلاب عند صاحب الدار قيمة إلا ما أعطاها من بقايا الطعام، ويبقى الضيف الصديق والعدو المناوئ لأهل الدار خير من كلاب الحراسة وإن بلغت من وفائها ما بلغت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد